اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي أَمْرِ هَذَيْنِ الْفَرِيقَيْنِ، أَعِنِّي الْقَائِلِينَ: {لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ} "وَالْقَائِلِينَ: {كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ} مَنْ هُمَا"
فَقَالَ بَعْضُهُمْ:"الْفَرِيقُ الَّذِينَ قَالُوا:" {لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ} هُمْ أَهْلُ كُفْرٍ بِاللَّهِ، وَنِفَاقٍ، وَلَيْسُوا مِمَّنْ شَهِدَ قِتَالَ جَالُوتَ وَجُنُودِهِ، لِأَنَّهُمُ انْصَرَفُوا عَنْ طَالُوتِ، وَمَنْ ثَبَتَ مَعَهُ لِقِتَالِ عَدُوِّ اللَّهِ جَالُوتَ وَمَنْ مَعَهُ، وَهُمُ الَّذِينَ عَصَوْا أَمْرَ اللَّهِ لِشُرْبِهِمْ مِنَ النَّهَرِ""
وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ.
وَقَالَ آخَرُونَ: كِلَا الْفَرِيقَيْنِ كَانَ أَهْلَ إِيمَانٍ، وَلَمْ يَكُنْ مِنْهُمْ أَحَدٌ شَرِبَ مِنَ الْمَاءِ إِلَّا غُرْفَةً، بَلْ كَانُوا جَمِيعًا أَهْلَ طَاعَةٍ، وَلَكِنَّ بَعْضَهُمْ كَانَ أَصَحَّ يَقِينًا مِنْ بَعْضٍ، وَهُمُ الَّذِينَ أَخْبَرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَنَّهُمْ قَالُوا: {كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ} وَالْآخَرُونَ كَانُوا أَضْعَفَ يَقِينًا، وَهُمُ الَّذِينَ قَالُوا: {لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ}
وَأَوْلَى الْقَوْلَيْنِ فِي تَأْوِيلِ الْآيَةِ مَا قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَالسُّدِّيُّ، وَابْنُ جُرَيْجٍ، وَقَدْ ذَكَرْنَا الْحُجَّةَ فِي ذَلِكَ فِيمَا مَضَى قَبْلُ آنِفًا.
وَأَمَّا تَأْوِيلُ قَوْلِهِ: {قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ} فَإِنَّهُ يَعْنِي: قَالَ الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَيَسْتَيْقِنُونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ.
فَتَأْوِيلُ الْكَلَامِ: قَالَ الَّذِينَ يُوقِنُونَ بِالْمَعَادِ، وَيُصَدِّقُونَ بِالْمَرْجِعِ إِلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ قَالُوا: {لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ} {كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ}
يَعْنِي بِكَمْ: كَثِيرًا غَلَبَتْ فِئَةٌ قَلِيلَةٌ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ، يَعْنِي: بِقَضَاءِ اللَّهِ وَقَدَرِهِ {وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ}
يَقُولُ: مَعَ الْحَابِسِينَ أَنْفُسَهُمْ عَلَى رِضَاهُ وَطَاعَتِهِ. وَقَدْ أَتَيْنَا عَلَى الْبَيَانِ عَنْ وُجُوهِ الظَّنِّ وَأَنَّ أَحَدَ مَعَانِيهِ الْعِلْمُ الْيَقِينُ بِمَا يَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ ذَلِكَ فِيمَا مَضَى، فَكَرِهْنَا إِعَادَتَهُ.