قيل: ويدل على ذلك أنه قال فِي مكان أخر (مخبتين) ، والمخبت: المطمئن من الخبت ، أي المطمئن من الأرض ، وطار ، وطير ، نحو راكب وركب ، و"تطايروا"أي تفرقوا ، استعارة وفجر مستطير ، وغبار مستطار ، خولف بين بيانهما لاختلاف التصورين فِي كون الفجر فاعلاً والغبار مفعولاً وفرس مطار يقالك للسريع ، ويقال لجديد ، الفؤاد كأنه أطير فلبه ، كقولهم شهم ومروع وقوله: {وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ} أي ما يدمن أفعاله وصرته أصوره ، أي أملته وصرته: قطعته صورة صورة ، وقيل: صرت ، وصرت: لغتان ، والصوار سمي اعتباراً بالقطع كالقطيع والصرمة والصور النخل الصغار ، إما لانقطاعها عن لحوق الكبار ، أو كأنها مقطوعة فِي نفسها ، والصور قيل: سمي لأن فيه صور الناس
كلها وقيل: بل لإعادة الصورية ، وذكر أبو بكر النقاش المقرئ أنه قرئ (فصرهن) بضم الصاد وتشديد الراء وفتحها من الصر ، أي الشد ، ومنه الصرة ، وقال: قد قرئ (فصرهن) بكسر الصاد وفتح الراء وتشديدها من الصرير من الصوت أي ، صح بهن وروي أن إبراهيم مر على ساحل البحر بميتة ، والسباع والطيور والحيتان يتوزع لحمها ، فتفكر ، فسأل الله تعالى إحياء مثله فأمره تعالى أن يأخذ أربعة طيور فيقطعها فيخلطها لحومها وريشها ، ويبددها على جبال (خزاجرا) ثم يدعوها ، ففعل ذلك ، فاجتمعت كلها ، فتبين إبراهيم ما اعتراه فيه الشبهة وقال بعضهم:
أمره أن يأخذ أربعة طيور ، فيضعهن على أربعة جبال ومعنى لجزء واحد منها ، ثم يدعوها فتجتمع لديه ، فأشار إلى أنه كاجتماع هذه الطيور لديك كذلك يجتمع من الجوانب الأربع الأموات قال ، ولو كان (فصرهن) قطعهن ، لما قال: إليك لأن ذلك لا تعدي بالباء..
إن قيل: لم لما سأله إبراهيم ، أراد ذلك على أقرب الوجوه لما سأله عزير ، أماته مائة عام حتى تفرقت أوصاله ونخرت عظامه.