فقال:"وما يؤمنك إن أخبرتك أن تكفر ؟ سماء تحت أرض ، وأرض فوق سماء ، مطويات بعضها فوق بعض ، يدور الأمر بينهن"، والخبر الأول يدل أن جوهر الكرسي والسماء أشرف مما عرفناه ، والخبر الأخير يدل على أن الفلك كروي ، وما روى أن الكرسي موضع القدمين ، وأن له أطيطا كأطيط الرحل الحديد فصحيح ، ومعناه لا يخفي على من عرف الله عز وجل - وعرف الأجرام السماوية
ومجازات اللغة ، ونظر من المعنى إلى اللفظ لا من اللفظ إلى المعنى ، ومن لم يعرف ذلك فحقه أن يسلم اللفظ للرواية دون تكذيب الآية ، ويترك الخوض فيما لا يعلم إتباعاً لقوله تعالى: {وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} وليس فِي إثبات الكرسي له إثبات كونه جسماً محدوداً ، كما أنه ليس فِي إثبات البيت له إثبات كونه ساكنة وليس فِي نسبة القدم إليه إثبات جارحة ، كما أنه ليس فِي قوله - عليه الصلاة والسلام فِي وصف أولياء الله عز وجر -"أكون سمعه الذي يسمع به ، وعينه التي يبصر بها ، ويده التي يبطش بها"إثبات جارحة ، و"لا يؤوده"- لا يثقله أصله من الأول العوج ، ولما جرت العادة أن متحمل الثقل يعوج فِي الممر استعير (أده) كذا للثقل ، وقوله: {لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ} معناه: الله هو الذي يحق له العبادة لا غير ، وقيل: الله الذي ولهت الأشياء كلها له ، وذاك أنه ما من إنسان مؤمن وكافر ، بل ما من حيوان إلا إذا نابته نابية شديدة اعتمد عليه ، ووله إليه ، ولهذا قيل:"الله محبوب الأشياء كلها إما بطبعها ، وإما بقصدها ، وقوله: {لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ} تأكيد لما اقتضاه الحي القيوم - تنبيهاً أنه وإن شارك الأحياء فِي الاسم ، فقد فارقها فِي الحقيقة ، إذ كان سائر الأحياء لا ينفك من غفلة ونوم.."
إن قيل: كيف خص بملكه ما فِي السماوات والأرض ، وذلك يوهم أن ليس له السماوات والأرض ؟