لم يقتصر هدف الله (المعلم) في الموقف التعليمي على هدف سيدنا إبراهيم - عليه السلام - (المتعلم) ، وهو (رؤية إحياء الله للموتى) ، بل تعدَّاه إلى ما هو أعظم من ذلك، وهو إخباره (أن الله عزيز حكيم) ، وهنا تبرز عظمة المعلم في استخدام هدف المتعلم للوصول إلى أهداف أكبر وأعمَّ.
مدى نجاح هذا الموقف التعليمي في تحقيق أهدافه:
إن نجاح أي عملية تعليم وتعلُّم يُقاس في الغالب بالنتائج المترتبة عليها، وبالنسبة للموقف الذي نحن بصدده الآن، هناك موقفان بارزان يُظهران مدى هذا النجاح:
الموقف الأول: محاجة سيدنا إبراهيم - عليه السلام - للنمرود:
"أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آَتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ" [البقرة: 258] .
في هذا الموقف ظهرت براعة سيدنا إبراهيم - عليه السلام - في دَحْض حُجة النمرود في أنه يحيي ويميت، فلقد تعلَّم من ربه كيف يُمعن التفكير ويستخدم عقله، ويستخدم الأدلة (الحقائق) التي لا يمكن لأحد إنكارها.
فقد ذكر سيد قطب في الظلال أنه عندما قال النمرود:
أنا أحيي وأُميت، عند ذلك لم يُرِد إبراهيم - عليه السلام - أن يَسترسل في جدلٍ حول معنى الإحياء، وعدَل عن هذه السنة الكونية الخفيَّة إلى سُنة أخرى ظاهرة مرئية، وعدَل عن طريقة العرض المجرَّد للسنة الكونية والصفة الإلهية في قوله:"رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ" [البقرة: 258] ، إلى قوله:"فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ" [البقرة: 258] ، وهي حقيقة كونية مُكرورة؛ تطالع الأنظار والمدارك كلَّ يوم، ولا تتخلف مرة ولا تتأخر، وهي شاهد يخاطب الفطرة، ومن ثم كان هذا التحدي الذي يخاطب الفطرة كما يتحدث بلسان الواقع الذي لا يقبل الجدَل.