إن سيدنا إبراهيم - عليه السلام - كان يعلم علم اليقين أن الله هو الذي يُحيي ويميت، وهذا واضح من قوله: بلى، ولكن قوله: ليطمئن قلبي دَلالة على رغبته في الوصول إلى مستوى أعلى من التعلُّم، وهو مستوى عين اليقين، وهذا واضح من سؤاله - عليه السلام - في قوله في بداية الموقف التعليمي: أرِني، وهذا يدل على طموح المتعلم للوصول إلى المستويات الأعلى من التعلم.
لقد تضمنت عملية التعليم والتعلم أسلوبَ الحوار الهادف الذي يكشف لكل من المعلم والمتعلم ما يريده كلٌّ من الآخر، فتنكشف مكنونات المتعلم للمعلم، ويحدِّد المتعلم ما يريده من المعلم، وهنا يسود التفاهم والإقناع في عملية التعلم للمتعلم، دون الإجبار والقمع والتسلُّط من جانب المعلم للمتعلم.
ولكن بعد هذا الحوار، أين الإجابة عن سؤال سيدنا إبراهيم - عليه السلام - من ربه؟
لم تكن هناك إجابة بالشكل المباشر، ولكن الله كلَّف سيدنا إبراهيم - عليه السلام - بعدة تكليفات يقوم بعملها بنفسه: فَخُذْ، فَصُرْهُنَّ، ثُمَّ اجْعَلْ، ثُمَّ ادْعُهُنَّ، وَاعْلَمْ.
هنا تبرز العديد من الإبداعات التربوية؛ منها:
• أن المعلم قد فعَّل المتعلم وجعَله نَشِطًا بقيامه بهذه الأفعال.
• تنوع هذه الأفعال تجدد من نشاط المتعلم وتُبعد عنه الملل والخمول.
• استخدام أكثر من حاسة أو جارحة: اللمس، والسمع، والبصر، والأيد، والأرجل، واللسان، والعقل، مما يزيد من فعالية عملية التعلم.
• استخدام حرف الفاء في الفعلين: فَخُذْ، وفصُرهنَّ، يفيد سرعة تلبية المعلم للمتعلم في الاستجابة له.
• أما استخدام (ثم) قبل الفعلين: اجعل، وادعهنَّ، يفيد تمهُّل المعلم على المتعلم في أداء الأفعال، خاصة وأنه سيصعد على الجبال ثم ينزل من عليه، وفي هذا رأفة ورحمة من المعلم بالمتعلم، رغم وجود الدافعية الذاتية لدى المتعلم، وزيادة تشويق المعلم له من قبلُ.
• واستخدام واو العطف في الفعل الأخير (واعلم) ، تفيد إرشاد المعلم للمتعلم بضرورة إمعان التفكير في كل فعلٍ يقوم به المتعلم في الأفعال السابقة؛ مما يشير إلى إعلاء قيمة العقل في عملية التعلم، ودوره في كل خطوات التعلم.