إن المتأمل في الأحداث الجارية وقتها، يجد أن فرعون هذا الزمان (النمرود) ، كان يدعي أنه يُحيي ويُميت، ونشر هذا الادعاء في أرجاء أهل البلاد، وكان هذا الموضوع محل اهتمام الجميع؛ حيث إنه يَمَس العقيدة، وكان سيدنا إبراهيم - عليه السلام - رسول الأمة الذي من مهمته تصحيح هذه العقيدة، فالموضوع يشغل بال الأمة وعلي رأسهم سيدنا إبراهيم - عليه السلام - ومن هنا كانت الحاجة ماسة لسيدنا إبراهيم لمزيد من العون من ربِّه؛ كي يتعلم كيفية محاجة النمرود؛"أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آَتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ" [البقرة: 258] .
ولذلك جاء السؤال بطلب رؤية كيفية إحياء الله الموتى، ومن هنا يتَّضح لنا وظيفية موضوع التعلم لكل من المتعلم (سيدنا إبراهيم) - عليه السلام - ولمجتمعه.
ويا لها من رَوعة أن يحدِّد المتعلم (سيدنا إبراهيم) - عليه السلام - بنفسه أيضًا كيفية عملية التعلم، وهي الرؤية؛ أي: المشاهدة بأُمِّ عينيه، وليس الكلام النظري، فلم يقتصر الطلب على تحديد موضوع التعلم فقط، بل تعدَّاه إلى تحديد كيفية التعلم، كما لم يقتصر موضوع التعلم على عملية إحياء الموتى، بل تعدَّاه أيضًا إلى كيفية الإحياء.
ولكن بماذا أجاب الله عن سؤال سيدنا إبراهيم - عليه السلام - لم يُعطه الله الإجابة فورًا، بل سأله:"أَوَلَمْ تُؤْمِن" [البقرة: 260] ؟
إن هذا السؤال ليس سؤالاً استنكاريًّا، إن هذا السؤال من المنظور التربوي يُثير في المتعلم التشوُّق أكثر والتحمُّس لتلقِّي الإجابة، كما أنه يعمل على تحديد مستوى التعلم الذي عند المتعلم (مستوى علم اليقين) ، وهذا ما أوضحته إجابة سيدنا إبراهيم - عليه السلام - بقوله:"بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي" [البقرة: 260] .