(لِيُرِيَكُمْ مِنْ آيَاتِهِ) أي: على إدخاله الجملة في الحكم الواحد.
وقد أخبر أن ذلك آيات، ولكن هذا مفهوم تناسق الآيات المختلفة، فليتوهم
جملة المخلوقات كلها عُلُوًّا وسفلاً كشيء واحد، وذلك قد يشمل المخلوقات كلها
في مخلوق واحد على موجود سوى وجوده العلي، قد أحاط ذلك بجميع
الموجودات عينًا ومعنى.
فالكائنات والمخلوقات [لا غناء] بها عن معتمد يعتمد عليه، كالسفينة المعهودة
اعتمادها على الماء، وقد كان الماء موجودًا قبل السفينة، إذ ليس الماء في السفينة
ولا مما حملته في شيء ، حتى إنك لو توهمت عدم السفينة لم يلزم لذلك عدم
الماء، فمعتمد هذه السفينة إذا على ما فرضناه أمر الله - جلَّ جلالُه - ، فإذا المخلوقات كلها لم
يوجدها - جلَّ جلالُه - في مخلوق ولا على مخلوق.
فإذا وزان الريح الحامل للسفينة من سفننا وزان الأمر من مؤخر السفينة
الموهمة، ووزان الماء الذي تمخر فيه السفينة وتجري فيه هذه السفن، وزان ما
عهدها به من الحول وأحاط بها من الحوق ولزَّها من الاقتدار والأمر، وذلك وزان
ما أحاط بهذه من زمان ومكان وتوابع ذلك(إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ
تَزُولَا).
ووزان حدافها وملاحها والمسافرين فيها وزان الملائكة - عليهم السلام -
والقوة التي تحللت المخلوقات، ووزان المسافرين المكلفين العباد بتقلبهم من
غربتهم إلى قرارهم بأمره، ومن غيبتهم إلى حضورهم وشهودهم ومساكنها وسائسها
في أعلاها بأمره، فينقذونه ويسمعون له (لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا
يُؤْمَرُونَ (6) .
(إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَى ظَهْرِهِ) وكذلك لو حط الشراع مساك
فيه وعطل السكان والملاحين للعب بهم الموج، وربما عدا الريح عليها وهال البحر
فأهلكها (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ) على ما أمر به
ونهى عنه، وعلى شكره لنعم الله - جلَّ جلالُه - ، إن في ذلك لآيات لأولي الألباب الذين
عبروا من هذه إلى تلك، فشاهدوا الغيب من شاهد الأمر.
وقد تصرف الاعتبار بالفلك، فتكون السفينة جارية في البحر آية على قطع