جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ فَاسْلُكْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ) المعنى:
فعوضهما الله جلَّ ذكره مما أفقدهم إياه ما يشبهه.
يقول جلَّ ذكره: (وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ(42) . يعني: الإبل
والخيل والبغال والحمير، ومثل الفلك هي الأرض التي صنعت على هيئتها،
والحيوان كله مخلوق من الأرض، فهي تجري كما قال جل من قائل:(فِي مَوْجٍ
كَالْجِبَالِ)كالأرض راكدة على الماء، ونشر لها الريح من أمره يجريها
في البحر، وصورها رحبة العجز مقدمها أضيق من مؤخرها، وقعرها مقعر، أعلاها
مفروش كشكل الكرة منها أعلاها، وأبقى على حاله أسفلها كما فعل في الأرض.
(فصل)
سبيل الاعتبار بها أن يعبر من العلم بخلقتها، ولما قصرت به إلى ما تقدم ذكره
من تعرف خلقة الأرض، وأنها على الماء راكدة لا ترسب في الماء لثقلها وثقل ما
يحمله، كالمعهود من رسوب أقل الثقل في الماء، بل زاد الفلك بجريها في لجج
البحار بأمره بواسطة الريح، فتراها تنخر الماء مخرًا، فتعبر البحار اللجج الطوامس
عبرًا، وتلك آية على وجود حق في الدار الآخرة، أما النجاة والعبور والجري على
أمانه فلأوليائه.
وأما الإهلاك والإغراق والأخذ المكتسب لا محالة فلأعدائه؛ لذلك ما امتن
-جلَّ جلالُه - بإنجائهم وجريها - أعني: الفلك - برحمته، وأوعد تعريضًا بالإهلاك والإيقاع
بالغرق، وأخدهم بما كسبوا تنبيهًا على ما هنالك: فإنهم [يضطرهم] إلى ركوب سفن
نار جهنم تجري في بحار الحميم والغساق والغسلين إلى حيث شاء من ذلك بهم،
ثم نغرقهم فيها بأخذهم في ذلك بنوع من كسبهم السيئات في دار الدنيا.
يقول الله - عز وجل -: (إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَى ظَهْرِهِ) أي: ظهر
البحر (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ) أي: على بلوى هذه وامتحانها (شَكُورٍ)
لنعماء الله وجزيل أياديه.
ثم قال عز من قائل: (أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُوا) .
وقال الله جل من قائل: (فَيُغْرِقَكُمْ بِمَا كَفَرْتُمْ) كذلك يغرقهم
في الآخرة بما كسبوا.