كما قال - جلَّ جلالُه -: (إِنَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ(3) .
فبين قوله تعالى:، (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) وقوله - جلَّ جلالُه -:(إِنَّ فِي
السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ)فرقان بيِّن؛ إذ بالأولى ندب إلى النظر بخلق السَّمَاوَات
والأرض كما قوله - جلَّ جلالُه -: (وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِنْ دَابَّةٍ آيَاتٌ) أي: في
خلقكم وتركب أعضائكم وجميع مواد خلقكم، وتعداد المفاصل، وكيفية تناسق
الجملة في تركبها، ثم الاعتبار في ذلك إلى ما غاب كذلك.
قوله جل قوله: (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ)
لذلك يتردد الأمر في كيفية النظر باختلاف الليل والنهار، ثم جعلها
هكذا هذا يخلف هذا وهذا يخلف هذا، وقد تقدم إلى ذلك، أو يكون النظر في ذلك
أولاً: كيف خلق هذا وهذا؛ ويتفكر الناظر في ذلك، وأما المراد بذلك؟ وما وجوه
الحكمة في ذلك؟ وعلى ماذا يدلان بذلك؟ وقد مضى من ذلك تنبيه على بعض
المقصود، والله نسأله تمام النعمة وحسن المزيد.
كذلك قوله جل قوله: (وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ)
المراد المفهوم من ظاهر الخطاب عطف على قوله:(إِنَّ فِي خَلْقِ
السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ)وتقدير المحذوف وخلق اختلاف آية الليل والنهار وخلق
الفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس.
فيكون النظر أولاً: في خلقه المنظور فيه، كيف ولِمَ؟.
ثم ثانيًا: في المراد به، وعلى من يدل إلى خلقه وتركيه؟ ثم بما وجد له على
حق هو هنالك.
أما النظر في خلقتها: فقد يجب أن يقدم الكلام في الاعتبار، فجملة دار الدنيا
وأنها - أعنى: الفلك - إنما صنعت على هيئة الأرض، ولما شاء الله أن ينقذ رسوله
نوحًا - عليه السلام - والذين آمنوا معه، وشاء إهلاك أهل الأرض بالغرق والطوفان أوحى الله
إلى رسوله [نوحٍ] - عليه السلام -: (أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا) أي: كما نعلمك (فَإِذَا