على تدوار دوائر محكمة التدوار، عرفها لهم وهو أعلم تقدير العزيز العليم، أي:
إنها هَاهُنَا على مقادير ما هنالك، وتمدح بالعلم إنما خبأه لأوليائه وأعدائه في دار
الخلود، فمن شغل نفسه وقلبه بعبادته وداوم على ذكره أدخله جنته بغير حساب،
وأناله [أجره بأكرم مآب] وأجزل ثواب.
وإلى هذا ينشأ الحق المبثوث في العالم المخلوق به، وفي السَّمَاوَات والأرض
وما بينهما، وبخاصة منه هذا الحق المشار إليه الذي هو المشهود والحضور
الموجود على دوائر محكمة، فإن هذا كله يصعد في الدار الآخرة إلى مشاهدة الحق
المبين - جلَّ جلالُه - وتعالى علاؤه وشأنه.
قال الله - جلَّ جلالُه -: (يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ(25) .
هذا ثم أعلم علمًا يقينا فيما تقدم ذكره مع تدقيق النظر وتصحيح
الاعتبار بهذا الحق الموجود به السَّمَاوَات والأرض خلقًا وشرعًا من الآيات على ما
يؤاتيهم ويصيبهم به الحق المبين عجائب تبهر العقول وتقصر عن العبارة بوصفها
الألسن بما لا يحاط بالوقوف على كنه مخلوقاته فيما هَاهُنَا.
قال الله - جلَّ جلالُه -: (وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعلمونَ) .
(وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا) .
فصل في الاعتبار في الفلك
قال الله - جلَّ جلالُه -: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَتِ اللَّهِ لِيُرِيَكُمْ مِنْ آيَاتِهِ) .
وقال عن من قائل: (وَمِنْ آيَاتِهِ الْجَوَارِ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ(32) إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ
الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَى ظَهْرِهِ).
وقال أيضًا جل من قائل: (وَلَهُ الْجَوَارِ الْمُنْشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ(24) فَبِأَيِّ
آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (25) . وجعل - جلَّ جلالُه - ذلك من آياته وآثار وجوده
على مقتضى مشيئته.
وذكر الفلك في القرآن كثير، وإنها آيات له وآيات عليه لأولي الألباب ولكل
صبار شكور.
يقول الله - جلَّ جلالُه -: (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) .