جنات وعيون، ومقام كريم شبيه بما ينزل عنه، وكذلك القسم الآخر.
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:"الجنة أقرب إلى أحدكم من شسع نعله، والنار كذلك".
يدل - عز وجل - بما نص عليه من الآيات المختلفة على ما ذكرناه، وأقسم على أن
ذلك من قيله له: (إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ) والنطق موجود
منا لا محالة، فما أقسم عليه هو الحق لا مرية فيه ولا شك (فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ
الْخَالِقِينَ (14) . ما أحسن ما أوجد؛ وما أتقن ما أحكم وخلق؛ اللهم
فهمنا عنك، ثم استعملنا بالذي يرضيك عنا، وصلى الله على محمد وآله وسلم.
(فصل)
قد تقدم في رسم اسم الملك عز جلاله وتعالى علاؤه وشأنه من شرح الأسماء
إشارة من التطريق إلى النظر إلى السماوات، وهذا الاسم على أي شيء يقع، وأن
ظاهر خطاب الشرع ورد بأنها السماوات العلا، ثم اسم سماوات على سُمُوت
أفلاك جاء بذلك بآخره ثم إلى الأرض، وأنها خلقت يوم خلقها صانعها - جلَّ جلالُه - على
شكل كرة، فسطحها - جلَّ جلالُه - ومدها وفرشها، ثم نصب قنن الجال على وزن أوليتها قبل
تمهيدها، فجاء طلوع النيرات الشمس والقمر والنجوم على وزن ذلك مسخرات
بإذن الله جلَّ ذكره.
وكان امتداد الظل وقبضه على وزن ذلك، وكان ذلك فلكي الليل والنهار،
وكذلك تقدم فيه أيضًا نبذة يسيرة من الكلام في فلك الرياح، وفلك الغيض، وفلك
القيض والمد والجزر، وقد تقدم أيضًا الإعلام بما هي الأفلاك المعلومة، وأنها من
لدن فلك المياه إلى فلك البروج وكواكب، ثم الفلك الأعظم، وأن بتدواره تدور
الدوائر كلها.
قال الله جل من قائل: (وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ) فاعجب لهذا أن
يكون تدوار الدوائر كلها على افتراق سبل الأمر بهن وفيهن يتحرك بحركة واحدة،
يصعد إلى كل الكل ونهاية النهايات، وذلك معلوم في سريان الأغذية في الأجسام.
وإنما ينطبع في محالها إلى حال ما حكت فيه، كذلك ما نحن بسبيل تبيانه، كل
الأفلاك يحل الأمر فيهن في محاله، فيكون منه بما سبق به الأمر، وأذنت فيه