المشيئة، وأحاط به علم العلي الكبير، والظاهر أن حركتها بحركته، وحكمها بحكمه،
ثم يتنوع بحركات أفلاكها على سبل مجاريها، ويكون حكم كل متحرك في كل
متحرك فيه على الأمر المراد به من موضعه المدرر فيه والمدور به،(كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى
شَاكِلَتِهِ).
وقال - عز وجل -: (وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ
يَسْبَحُونَ (33) .
كما قال - عز وجل -: (وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ(38) وَالْقَمَرَ
قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ (39) لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا
اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (40) .
تعجب - جلَّ جلالُه - بهذا المبدع العجيب، جعل - جلَّ جلالُه - ذلك من آيات الوحدانية، وأن
الواحد الحق عز جلاله أوجد جميع الموجودات على اختلاف وجودها، وهي على
ذلك لا تخرج عن حُكمه الواحد وأمر العزم القويم.
(فصل)
يتبين الدورات لا بطلوع الشمس من المشرق إلى المغرب، وهو الليل والنهار،
فما فوقها يتحرك في اليوم والليلة أزيد من دورة، وما كان من دونها يتحرك في اليوم
والليلة أقل من دورة، يتحرك الفلك المستقيم فتستدير هذه الدوائر على دوائر دونها،
والتي دونها تستدير على ما هو دونها هكذا، وحكم الأعلى ينتظم الأسفل إلى ما
يكون منها كالدقائق والشعائر ودقائق الشعائر ومقاييس الأنفاس وأجزائها وأجزاء
أجزائها، وعلى التحصيل الإلهي لدقتها وضيقها فكالأجزاء التي تركب للأجسام
عنها يتنزل الأمر بتلك الدوائر من مستقر إلى مستودع محمول ذلك بها وفيها،
كحمل الجواهر الأعراض.
كذلك قال عز من قائل: (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ)
و (لأولِي الْأَلْبَابِ) أي: إن هذا المعلوم هذه آيات على ما وراء
ذلك مما هو غيب بالإضافة إليه، فما هي عليه آيات أن تكون كل سماء مع سمائه
التي هي سقفها إلى السماء السابعة، كما هي الأرض مع سمائها من دوائر الأفلاك
وأمر وغير ذلك.