وقالوا: الجزعُ مَنْقصةٌ للحياة، ومن أعانَ على نقصانِ حياته، فقد عظُمَتْ خطيئتُه...
وقالوا: التأسُّف على الفائِتِ تضييعُ وقتٍ ثانٍ، إن كنت جازعاً لِما أفلتَ منك فاجْزَعْ على ما لَمْ يصل إليك.
وقال علي كرَّم اللهُ وجهَه: الصَّبْرُ مَطيَّةٌ لا تكبو، والقناعةُ سيفٌ لا ينبو.
وقال عمرُ رضي الله عنه: لو كان الصبرُ والشكرُ بعيرين ما باليتُ أيَّهما ركبت؛ وقيل: الصبرُ يُناضِلُ الحدَثان، والجزعُ من أعوانِ الزمان، وما في الشكوى إلا أن تُحْزِنَ صديقَك وتُشْمِتَ عدوَّك؛ وقيل: اجعل صبرَك على النّوائب كِفاءَ شُكْرك على المواهب، الصبرُ عندَ النِّقم، والشكر عند النِّعم، وقال حكيم: جميعُ مكاره الدُّنيا تنقسم قسمين، ضربٌ فيه حيلةٌ، فالاضطراب دواؤه، وضربٌ لا حيلةَ فيه، فالصبر شفاؤه، وقالت الفرس: كلمتان يقولُهما العاقلُ عند نائبته: إحداهما: هذه الحال خيرٌ ممّا هو شرٌّ منها، والأخرى: لعلَّ اللهَ أن يجعلَ في هذا المكروه خيراً! وكلمتان يقولُهما الجاهل: لعلّ ما أصابني يدعو إلى شَرٍّ منه! والأخرى: لو كان بَدلَ كذا كذا من المصيبة! وقالوا: الصبرُ على مرارةِ العاجل، يُفضي إلى حلاوةِ الآجل، إنّك لا تنال قليلَ ما تحبُّ إلا بالصبرِ على كثيرِ ما تَكْره، وقالوا: لكلِّ شيء ٍ ثمرةٌ، وثمرةُ الصبر الظفرُ، والصبرُ كاسْمِه، وعاقبتُه العسل، والصبر على المصيبة مصيبةٌ على الشّامت.
وقال عليٌّ: إن صبرتَ فأنتَ مأجورٌ، وإن جَزِعْتَ جرى عليك المَقْدور.
(حثُّهم على تصوّر المصائب والاستعداد لها كي تَخِفَّ وطأتُها)
وقالوا في ذلك: مَنْ كان متوقِّعاً، لم يُلْفَ مُتوجِّعاً، وقال بعضهم -
قيل لابن الرومي، ولَمْ أرَها في ديوانه، وإن كانت أشبهَ بمذهب ابنِ الرّومي -:
أَلَمْ تَرَ رُزْء الدَّهْرِ مِنْ قبلِ كَوْنِه ... كِفاحاً إذا فكَّرْتَ في الخَلَواتِ
فَما لَكَ كالمَرْمِيِّ في مَأمَنٍ لهُ ... بِنَبْلٍ أَتَتْهُ غيرَ مُرْتَقَباتِ
فإنْ قُلْتَ مَكْرُوهٌ أتاني فُجَاَءةً ... فمَا فُوجِئَتْ نَفْسٌ مَع الخَطَرَاتِ
ولا عُوقِبَتْ نَفْسٌ بِبَلْوى وقد رأتْ ... عِظاتٍ من الأيّام بَعدَ عِظَاتِ
إذا بُعِثَتْ أشياءُ قد كان مِثْلُها ... قديماً فلا تَعْتَدَّها بَغَتاتِ