للمِحَنِ أوقاتٌ ولها غاياتٌ، واجتهادُ العبدِ في مِحْنَتِه قبل إزالةِ اللهِ لها، زيادةٌ فيها قال تعالى: {إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ} ...
وقالوا: المُمْتَحَنُ كالمُخْتَنِقِ كلّما ازدادَ اضْطراباً ازدادَ اخْتِناقاً... وحُكي عن بعضِ الصالحين: أنّ ابناً له مات فلم يُرَ به جزعٌ، فقيل له في ذلك فقال: هذا أمرٌ كنا نتوقَّعُه، فلمّا وقع لَمْ نُنْكره...
وقالوا: من أراد طولَ البقاءِ فليوطِّن نفسَه على المصائب؛
وقالوا: المُصيبةُ للصّابرِ واحدةٌ وللجازعِ اثنتان، وقال أكثم بن صيفيٍّ: حيلةُ مَنْ لا حيلةَ له: الصبرُ.
وسيّد الكلام في الصبر قولُ المصطفى صلوات الله عليه: (لو كان الصَّبْرُ رجلاً لكان رَجُلاً كريماً) الكريم ضِدُّ اللئيم.
(عودٌ إلى أسباب الحزن)
وقال الفيلسوف أبو يعقوبَ الكِنْديُّ: أسبابُ الحزن: فقدُ محبوبٍ، أو فوتُ مطلوبٍ، ولا يَسلَمُ منهما إنسانٌ، لأنَّ الثباتَ والدوامَ معدومان في عالم الكون والفساد؛ وقال الحسن البصري: الدُّنيا دارُ غُمومٍ، فمن عُوجِلَ فُجِعَ بنفسِه، ومن أُجّلَ فُجِعَ بأحبابه؛ وقال بعض الفلاسفة: من أراد أن لا يصابَ بمصيبةٍ، فقد أراد ما لا يكون، لأن المصائب في عالم الكون والفساد طبع بالطبع؛ فينبغي أن يكونَ منّا على بال: أنّ جميعَ الأشياء التي تصل إلينا كانت قبلنا لغيرِنا، فانتقلت إلينا على شريطةِ ما كان لِمَنْ قبلَنا... وقيل لسقراط: ما لك لا تجزع؟ قال: لأنّي لا أقتني ما يُحْزِنُني فقدُه...
وقال ابن الرومي في هذا المعنى:
ومَنْ سَرَّه أنْ لا يَرى ما يَسُوؤُه ... فلا يَتَّخِذْ شيئاً يَخافُ له فَقْدَا
أقول: يريدون بذلك: أنّه لا بدَّ في هذه الدنيا من المصائبِ ما دام، هناك قِنْيةٌ من مالٍ وولدٍ وما إليهما من كلّ ما هو مستهدفٌ لِسهامِ الأيّام، ومن أراد أن لا يصابَ فلا يقتني ما يسوؤه فقدُه - والقِنيةُ لا بدَّ منها في هذه الحياةِ الدنيا، وإذن لا بدَّ من توطين النفس وإعدادِها لتلقي المصائب...
وإذا كان هناك مَنْ يترامى بمثل هذا الكلام إلى الحثِّ على الزهد، فهذا مرمًى آخرُ، منهم من يفزع إليه لمثل هذا الغرض - توقّي المصائب ما أمكن - ولأغراضٍ أخرى تراها بعد...