وهو أمر للرسول - صلى الله عليه وسلم - أن يولي وجهه شطر المسجد من حيث خرج ، وإلى المسلمين أن يولوا وجوههم شطره حيثما كانوا وبيان لعلة هذا التوجيه:
{لئلا يكون للناس عليكم حجة} ..
وتهوين لما بعد ذلك من أقاويل الظالمين الذين لا يقفون عند الحجة والنطق ، إنما ينساقون مع العناد واللجاج. فهؤلاء لا سبيل إلى إسكاتهم ، فسيظلون إذن فِي لجاجهم. فلا على المسلمين منهم:
{فلا تخشوهم.. واخشوني} ..
فلا سلطان لهم عليكم ، ولا يملكون شيئاً من أمركم ، ولا ينبغي أن تحفلوهم فتميلوا عما جاءكم من عندي ، فأنا الذي استحق الخشية بما أملك من أمركم فِي الدنيا والآخرة.. ومع التهوين من شأن الذين ظلموا ، والتحذير من بأس الله ، يجيء التذكير بنعمة الله ، والإطماع فِي اتمامها على الأمة المسلمة ، حين تستجيب وتستقيم:
{ولأتم نعمتي عليكم ولعلكم تهتدون} ...
وهو تذكير موح ، وإطماع دافع ، وتلويح بفضل عظيم بعد فضل عظيم..
ولقد كانت النعمة التي يذكرهم بها حاضرة بين أيديهم ، يدركونها فِي أنفسهم ، ويدركونها فِي حياتهم ، ويدركونها فِي مجتمعهم وموقفهم فِي الأرض ومكانهم فِي الوجود..
كانوا هم أنفسهم الذين عاشوا فِي الجاهلية بظلامها ورجسها وجهالتها ، ثم انتقلوا هم أنفسهم إلى نور الإيمان وطهارته ومعرفته. فهم يجدون فِي أنفسهم أثر النعمة جديداً واضحاً عميقاً.
وكانوا هم أنفسهم الذين عاشوا فِي الجاهلية قبائل متناحرة ، ذات أهداف صغيرة واهتمامات محدودة. ثم انتقلوا هم أنفسهم إلى الوحدة تحت راية العقيدة ، وإلى القوة والمنعة ، وإلى الغايات الرفيعة والاهتمامات الكبيرة التي تتعلق بشأن البشرية كلها لا بشأن ثأر فِي قبيلة! فهم يجدون أثر النعمة من حولهم كما وجدوه فِي أنفسهم.