وكانوا هم أنفسهم الذين عاشوا فِي الجاهلية فِي مجتمع هابط دنس مشوش التصورات مضطرب القيم.. ثم انتقلوا هم أنفسهم إلى مجتمع الإسلام النظيف الرفيع ، الواضح التصور والاعتقاد ، المستقيم القيم والموازين.
.فهم يجدون أثر النعمة فِي حياتهم العامة كما وجدوه فِي قلوبهم وفي مكانهم من الأمم حولهم.
فإذا قال الله لهم: {ولأتم نعمتي عليكم} .. كان فِي هذا القول تذكير موح ، وإطماع دافع وتلويح بفضل عظيم بعد فضل عظيم..
ونجد فِي تكرار الأمر بشأن القبلة الجديدة معنى جديداً فِي كل مرة.. فِي المرة الأولى كان الأمر بالتوجه إلى المسجد الحرام استجابة لرغبة الرسول - صلى الله عليه وسلم - بعد تقلب وجهه فِي السماء وضراعته الصامتة إلى ربه.. وفي الثانية كان لإثبات أنه الحق من ربه يوافق الرغبة والضراعة.. وفي الثالثة كان لقطع حجة الناس ، والتهوين من شأن من لا يقف عند الحق والحجة..
ولكننا - مع هذا - نلمح وراء التكرار أنه كانت هناك حالة واقعة فِي الصف الإسلامي تستدعي هذا التكرار ، وهذا التوكيد ، وهذا البيان ، وهذا التعليل ، مما يشي بضخامة حملة الأضاليل والأباطيل ، وأثرها فِي بعض القلوب والنفوس. هذا الأثر الذي كان يعالجه القرآن الكريم ؛ ثم تبقى النصوص بعد ذلك على مدى الزمان تعالج مثل هذه الحالة فِي شتى صورها ؛ فِي المعركة الدائبة التي لا تهدأ ولا تفتر ولا تلين!
واستطراداً مع هذا الغرض نرى السياق يستطرد فِي تذكير المسلمين بنعمة الله عليهم ، بإرسال هذا النبي منهم إليهم ، استجابة لدعوة أبيهم إبراهيم ، سادن المسجد الحرام قبلة المسلمين ؛ ويربطهم - سبحانه - به مباشرة فِي نهاية الحديث:
{كما أرسلنا فيكم رسولاً منكم ، يتلو عليكم آياتنا ويزكيكم ، ويعلمكم الكتاب والحكمة ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون. فاذكروني اذكركم واشكروا لي ولا تكفرون} ..