ولقد علم الله أن الإنسلاخ من الرواسب الشعورية ، والتجرد من كل سمة وكل شعار له بالنفس عُلقة.. أمر شاق ، ومحاولة عسيرة.. إلا أن يبلغ الإيمان من القلب مبلغ الاستيلاء المطلق ، وإلا أن يعين الله هذا القلب فِي محاولته فيصله به ويهديه إليه:
{وإن كانت لكبيرة إلا على الذين هدى الله} ..
فإذا كان الهدى فلا مشقة ولا عسر فِي أن تخلع النفس عنها تلك الشعارات ، وأن تنفض عنها تلك الرواسب ؛ وأن تتجرد لله تسمع منه وتطيع حيثما وجهها الله تتجه وحيثما قادها رسول الله تقاد.
ثم يطمئن المسلمين على إيمانهم وعلى صلاتهم. إنهم ليسوا على ضلال وإن صلاتهم لم تضع ، فالله سبحانه لا يعنت العباد ، ولا يضيع عليهم عبادتهم التي توجهوا بها إليه ؛ ولا يشق عليهم فِي تكليف يجاوز طاقتهم التي يضاعفها الإيمان ويقويها:
{وما كان الله ليضيع إيمانكم إن الله بالناس لرؤوف رحيم} ..
إنه يعرف طاقتهم المحدودة ، فلا يكلفهم فوق طاقتهم ؛ وإنه يهدي المؤمنين ، ويمدهم بالعون من عنده لاجتياز الامتحان ، حين تصدق منهم النية ، وتصح العزيمة. وإذا كان البلاء مظهراً لحكمته ، فاجتياز البلاء فضل رحمته: {إن الله بالناس لرؤوف رحيم} ..
بهذا يسكب فِي قلوب المسلمين الطمأنينة ويذهب عنها القلق ، ويفيض عليها الرضى والثقة واليقين..
بعد ذلك يعلن استجابة الله لرسوله - صلى الله عليه وسلم - فِي أمر القبلة ؛ ويعلن عن هذه القبلة مع تحذير المسلمين من فتنة يهود ، وكشف العوامل الحقيقية الكامنة وراء حملاتهم ودسائسهم.. فِي صورة تكشف عن مدى الجهد الذي كان يبذل لإعداد تلك الجماعة المسلمة ووقايتها من البلبلة والفتنة: