وقد أَطْنَبَ مكي في ذلك ، وأنكر على القائلِ به ونسبه إلى ما ذكرتُ فقال:"وقد قال بعضُ أهلِ الزَّيْغِ: إن"مَنْ"في موضع نصبٍ اسمٌ للمُسِرِّين والجاهرين لَيُخْرَجَ الكلامُ عن عمومِه ويُدْفَعَ عمومُ الخَلْقِ عن الله تعالى ، ولو كان كما زعم لقال: ألا يعلمُ ما خلق لأنه إنما تقدَّم ذِكْرُ ما تُكِنُّ الصدورُ فهو في موضعِ"ما"ولو أَتَتْ"ما"في موضعِ"مَنْ"لكان فيه أيضاً بيانُ العموم: أنَّ اللَّهَ خالقُ كلِّ شيءٍ مِنْ أقوال الخلقِ أَسَرُّوها أو أظهرُها خيراً كانَتْ أو شرّاً ، ويُقَوِّي ذلك {إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصدور} ، ولم يقلْ: عليمٌ بالمُسِرِّين والمجاهرين وتكون"ما"في موضع نصب ، وإنما يُخْرِجُ الآيةَ مِنْ هذا العموم إذا جَعَلْتَ"مَنْ"في موضعِ نصبٍ اسماً للأُناسِ المخاطبين قَبْلَ هذه الآيةِ ، وقوله:"بذات الصدورِ"يمنعُ مِنْ ذلك"انتهى . ولا أَدْري كيف يَلْزَمُ ما قاله مكيٌّ بالإِعرابِ الذي ذكره والمعنى الذي أبداه؟ وقد قال بهذا القولِ أعني الإِعرابَ الثاني جماعةٌ من المحققين ولم يُبالوا بما ذكرَه لعَدَمِ إفهامِ الآية إياه .