وقد دلت الآيتان على أَن السماءَ - أَي: الجو الذي حول الأَرض - ملئت حرسًا شديدًا وشهبًا وأَن من يستمع الآن يجد له شهابًا يرصده فيقتله، وذلك بعد بعثة النبي صلى الله عليه وسلم حتى يسلم الوحي من أَراجيف الشياطين، كما دل عليه قوله تعالى: (عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا(26) إِلا مَنْ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا (27) لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالاتِ رَبِّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا (28 ) ) وكما دلت عليه السنة.
وهذه الظاهرة التي وجدوها في حراسة السماءِ جعلتهم يبحثون عن سببها حتى سمعوا النبي صلى الله عليه وسلم يقرأُ القرآن، ويدعو إِلى عبادة الله - تعالى - وحده فآمن منهم من آمن، وفي ذلك يقول الله - تعالى - حكاية عن هؤُلاء الجن: (وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدَى آمَنَّا بِهِ فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلا يَخَافُ بَخْسًا وَلا رَهَقًا(13) وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُوْلَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا (14) وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا).
ونزول الشهب المضيئة المحرقة ظاهرة كونية قديمة ناشئة عن انفصال أَجزاء صغيرة من هذه الكواكب وجذب الأَرض لها فتشتغل من سرعة وقوة احتكاكها بالهواءِ، والله - تعالى -
هو الذي يعلم لماذا كانت تنزل قبل البعثة المحمدية ويعلم مختلف مصادرها، وقيل في معنى الآية: وجعلناها ظنونًا ورجومًا لشياطين الإِنس وهم المنجمون المعتقدون تأثير النجوم في السعادة والشقاوة ونحوهما، ولكن الآلوسي رفض هذا الرأي، ونحن كذلك نرفضه لأَنه مخالف للنصوص الأُخرى التي مرّ ذكرها.