وجاءَ في الآية أَن الله تعالى جعل هذه المصابيح رجومًا للشياطين، والرجوم جمع رجم وهو مصدر سمي به ما يرجم به - كما تقدم في بيان المفردات - والمقصود أَنها مصدر رجم الشياطين، للحيلولة بينهم وبين استراق السمع من الملائكة الذين حول الأَرض، وهم يتحدثون في بعض أَمور الغيب التي وكلت إِليهم، ولكن هذه المصابيح لا تترك مدارها، فهي باقية فيه حتى تنفطر السماءُ وتنتشر الكواكب، وتبدل الأَرض غير الأَرض، والسماوات غير السماوات، وفي كون الرجم بأَجزاء صغيرة جدًّا من تلك الكواكب وتسمي شهبًا يقول الله - تعالى - في سورة الصافات: (إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ(6) وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ (7) لا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلإ الأَعْلَى وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ (8) دُحُورًا وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ (9) إِلا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ) وفي سورة الجن: (وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا
مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا (8) وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعْ الآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا). والمقصود من السماءِ التي كانوا يقصدونها الجو الذي يعلو الأَرض، فإِنه يسمى سماء لغة، لِسُمُوِّهِ، أَي: لارتفاعه.
وقد عرفنا من هاتين الآيتين وغيرهما من الأَحاديث أَن الجن كانوا يسترقون السمع قبل نبوة محمد صلى الله عليه وسلم من الملائكة في جو الأَرض، وينقلون ما يسمعون من الغيب إِلى كهان الأَصنام من أَجواف هذه الأَصنام، فيستغله الكهان ويضيفون إِليه ما شاءُوا من الأَكاذيب تقوية لزعامتهم الدينية.