وقد خوفهم الخسف وخوفهم الحاصب , وذكرهم مصائر الغابرين الذين أنكر الله عليهم فأصابهم التدمير . فهو يعود ليسألهم:من هو هذا الذي ينصرهم ويحميهم من الله , غير الله ? من هو هذا الذي يدفع عنهم بأس الرحمن إلا الرحمن ? (إن الكافرون إلا في غرور) . . غرور يهيئ لهم أنهم في أمن وفي حماية وفي اطمئنان , وهم يتعرضون لغضب الرحمن وبأس الرحمن , بلا شفاعة لهم من إيمان ولا عمل يستنزل رحمة الرحمن .
ولمسة أخرى في الرزق الذي يستمتعون به , وينسون مصدره , ثم لا يخشون ذهابه , ثم يلجون في التبجح والإعراض:
(أم من هذا الذي يرزقكم إن أمسك رزقه ? بل لجوا في عتو ونفور) . .
ورزق البشر كله - كما سلف - معقود بإرادة الله في أول أسبابه , في تصميم هذا الكون وفي عناصر الأرض والجو وهي أسباب لا قدرة للبشر عليها إطلاقا , ولا تتعلق بعملهم بتاتا . فهي أسبق منهم في الوجود , وهي أكبر منهم في الطاقة , وهي أقدر منهم على محو كل أثر للحياة حين يشاء الله .
فمن يرزق البشر إن أمسك الماء , أو أمسك الهواء , أو أمسك العناصر الأولى التي منها ينشأ وجود الأشياء ? إن مدلول الرزق أوسع مدى وأقدم عهدا وأعمق جذورا مما يتبادر إلى الذهن عندما يسمع هذه الكلمة . ومرد كل صغيرة وكبيرة فيه إلى قدرة الله وقدره , وإرساله للأسباب وإمساكها حين يشاء .