أي: بعد أن يصير أمر المنافقين إلى ضرب السور بينهم وبين المؤمنين ومشاهدتهم العذاب ينادون المؤمنين قائلين لهم مستنجدين بهم: أَلم نكن معكم في الدنيا نفعل كما تفعلون من نطق بالشهادتين وصلاة وصيام وزكاة وحج ونحو ذلك من شعائر الإِسلام فيقول لهم المؤمنون: {بَلَى} كنتم معنا في الظاهر {وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللهِ وَغَرَّكُمْ بِاللهِ الْغَرُورُ} أي: ولكنكم أهلكتم أنفسكم بالنفاق وأوقعتموها في بلية وعذاب، وانتظرتم بالمؤمنين شرًّا، وتربصتم بهم الدوائر والحوادث المفجعة، والنوازل المهلكة، وشككتم في أَمر دينكم، ولم يتمكن الإيمان من قلوبكم، وخدعتكم الأباطيل والأَمانى الكاذبة، وظننتم أن الإِسلام لا يطول أَمره ولا يمتد ظله، حتى فاجأَكم الموت وأنتم على باطلكم، وخدعكم الشيطان وأَدخل في روعكم وقلوبكم أن رحمة الله واسعة، وأَن عفوه ومغفرته تشملكم فلا يعذبكم على ما بدر منكم، ولكنه كذبكم وضللكم وهو اليوم يتبرأ منكم.
15 - {فَالْيَوْمَ لَا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلَا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مَأْوَاكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلَاكُمْ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ} :
أَي: في هذا اليوم الشديد القاسى لا يَقبل الله منكم - أيها المنافقون - فداء تحفظون به أَنفسكم من نزول العذاب بكم ولو كان ملء الأرض ذهبًا ومثله معه كما لا يقبل الله ذلك من الذين كفروا، وفي هذا تيئيس وإقناط للكافرين من عفو الله عنهم إِذ قد يتوهمون أَن هذا العذاب الشديد والخلود الدائم في النار إنما يكون للمنافقين فحسب جزاء خداعهم ومكرهم وإخفائهم الكفر وإظهار الإِسلام، والحق أن هذا جزاء من كفر بالله ولم يستيقن ذلك بقلبه غير أَن المنافقين لهم الدرك الأَسفل من النار.