ونقل الرازيّ عن أبي مسلم ، أن المراد من قول المؤمنين: {ارْجِعُوا} منع المنافقين عن الاستضاءة كقول الرجل لمن يريد القرب منه: وراءك أوسع لك . قال الرازيّ: فعلى هذا القول ، المقصود من قوله: {ارْجِعُوا} أن يقطعوا بأنه لا سبيل لهم إلى وجدان هذا المطلوب ، لأنه أمر لهم بالرجوع . انتهى ، وهذا وجه خامس .
ثم أشار إلى امتياز الفريقين في المنازل وتباينهما فيها ، بقوله سبحانه:
{فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ} أي: بين المؤمنين والمنافقين بحائط متين يحجزهم عن أنوار المؤمنين ، لتتم ظلمتهم {لَهُ} أي: لذلك السور {بَابَ} أي: لأهل الجنة يدخلون منه ، ويرى به المنافقون المؤمنين ليكلموهم {بَاطِنَهُ} وهو الجانب الذي يلي المؤمنين {فِيهِ الرَّحْمَةُ} يعني: الجنة وما فيها من رضوان الله والنعيم المقيم {وَظَاهِرُهُ} وهو الذي يلي المنافقين {مِن قِبَلِهِ الْعَذَابُ} أي: من عنده ، ومن جهته الظلمة والنار .
{يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُن مَّعَكُمْ} يريدون موافقتهم في الظاهر {قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنتُمْ أَنفُسَكُمْ} أي: محنتموها بالنفاق وأهلكتموها {وَتَرَبَّصْتُمْ} أي: بالمؤمنين الدوائر ، ليظهر الكفر فتظهروا ما في أنفسكم {وَارْتَبْتُمْ} أي: في توحيد الله ونبوة نبيّه ، أو في البعث بعد الموت ، أو في قوله {لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ} [التوبة: 33] و [الفتح: 28] ، ووعده بنصر المؤمنين ، أو في جميع ذلك .
{وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ} أي: طول الآمال والطمع في امتداد الأعمار ، أو قولهم: {سَيُغْفَرُ لَنَا}
{حَتَّى جَاء أَمْرُ اللَّهِ} يعني: الموت ، أو مصداق وعده بنصرة رسوله وإظهار دينه ، أو عذاب النار {وَغَرَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ} أي: الشيطان ، فأطمعكم بالنجاة والفوز والغلبة . وقرئ: {الغرور} بالضم .