من حيث هو هي جهنم الصغرى، لهذا ولمثل هذا وما هو أكبر وأطم من هذا قال
وقوله الحق: (وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ(76) .
ثم قال - عز من قائل: (إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ(77) فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ (78)
فعرض بذلك أن المراد على وجه ما يقوله: (فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ(75)
بأنها نجوم القرآن المنزلة نجمًا بعد نجم إلى آخر التنزيل، وبيَّن بذلك
الإيمان من الكفر والهداية من الضلالة، وأوضح منهاج الصراط المستقيم صراط
الذين أنعم عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وكشف عن حقيقة
الحق الذي خلق به السماوات والأرض، وعلم به الأسماء كلها المقتضية لجميع ما
خلقه التي بها يتعرف حكمة الله وقدرته ومشيئته.
ويشرف بعلمها من بصر من حقائقها على جملة أحكام الله، وبها يبلغ علم
التوحيد، وبها يتعلم العباد إعطاء القسط بينهم وبين بارئهم، وبها يتعرف الحكمة
الموصوفة لتدبر ملكوت الله، وبها يرى إتقان الظاهر بالباطن والباطن بالظاهر من الله
-جلَّ جلالُه - ، وبها يتظاهر لصدق، وبها يشرف على مطالع الدنيا والآخرة، وبها يرى كيف
سرد على نظامها كتابه العزيز فأدخل العباد من الثقلين مداخلهم من الدار الآخرة
من ثواب كريم أو عقاب أليم، وأنه بها أمر ونهى، وبها نطق وإياها حقق وصدق،
وكيف أبطنها وكيف أظهرها، وأنها مكتوبة في اللوح المحفوظ، وعلى مقتضاها
أوجد جميع الوجود، فإذا القسم بمواقع النجوم هو القسم العظيم.
قال الله سبحانه:(لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ
خَشْيَةِ اللَّهِ)ثم قال: (هُوَ اللَّهُ) أي: القرآن المذكور (هُوَ) قولي(اللَّهُ
الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ)(هُوَ اللَّهُ الَّذِي
لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ)إلى آخر السورة.
يقول - عز من قائل: (وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ) .
ثم قال إنه: (فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ(78) لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (79)