وقد وقع الإخبار عن قدرته عليه سبحانه على تبديلهم بخير منهم، وفي بعضها تبديل أمثالهم وفي بعضها استبداله قوماً غيرهم ثم لا يكونوا أمثالهم فهذه ثلاثة أمور يجب معرفة ما بينها من الجمع والفرق فحيث وقع التبديل بخير منهم فهو إخبار عن قدرته على أن يذهب بهم ويأتي بأطوع وأتقى له منهم في الدنيا وذلك قوله {وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ} يعني بل يكونوا خيراً منكم قال مجاهد يستبدل بهم من شاء من عباده فيجعلهم خيراً من هؤلاء فلم يتولوا بحمد الله فلم يستبدل بهم.
وأما ذكره تبديل أمثالهم ففي سورة الواقعة وسورة الإنسان فقال في الواقعة {نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنْشِئَكُمْ فِي مَا لا تَعْلَمُونَ}
وقال في سورة الإنسان {نَحْنُ خَلَقْنَاهُمْ وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَا أَمْثَالَهُمْ تَبْدِيلاً}
قال كثير من المفسرين المعنى إنا إذا أردنا أن نخلق خلقاً غيركم لم يسبقنا سابق ولم يفتنا ذلك.
وفي قوله {وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَا أَمْثَالَهُمْ تَبْدِيلاً} إذا شئنا أهلكناهم وأتينا بأشباههم فجعلناهم بدلاً منهم
قال المهدوي قوماً موافقين لهم في الخلق مخالفين لهم في العمل.
ولم يذكر الواحدي ولا ابن الجوزي غير هذا القول.
وعلى هذا فتكون هذه الآيات نظير قوله تعالى {إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِين} فيكون استدلالا بقدرته على إذهابهم والإتيان بأمثالهم على إتيانه بهم أنفسهم إذا ماتوا.
ثم استدل سبحانه بالنشأة الأولى فذكرهم بها فقال {وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الأُولَى فَلَوْلا تَذَكَّرُونَ} فنبههم بما علموه وعاينوه على صدق ما أخبرتهم به رسله من النشأة الثانية.
والذي عندي في معنى هاتين الآيتين وهما آية الواقعة والإنسان أن المراد بتبديل أمثالهم الخلق الجديد والنشأة الآخرة التي وعدوا بها.
وقد وفق الزمخشري لفهم هذا من سورة الإنسان فقال وبدلنا أمثالهم في شدة الأسر يعني النشأة الأخرى.
ثم قال: وقيل وبدلنا غيرهم ممن يطيع وحقه أن يأتي بـ (إنْ) لا بـ (إذا) كقوله {وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ} .