وأما على قولنا غشيها نور ، فقوله {مَا زَاغَ} أي ما مال عن الأنوار {وَمَا طغى} أي ما طلب شيئاً وراءها وفيه لطيفة وهي أن الله تعالى قال: ما زاغ وما طغى ، ولم يقل: ما مال وما جاوز ، لأن الميل في ذلك الموضع والمجاوزة مذمومان ، فاستعمل الزيغ والطغيان فيه ، وفيه وجه آخر وهو أن يكون ذلك بياناً لوصول محمد صلى الله عليه وسلم إلى سدرة اليقين الذي لا يقين فوقه ، ووجه ذلك أن بصر محمد صلى الله عليه وسلم {مَا زَاغَ} أي ما مال عن الطريق ، فلم ير الشيء على خلاف ما هو عليه ، بخلاف من ينظر إلى عين الشمس مثلاً ، ثم ينظر إلى شيء أبيض ، فإنه يراه أصفر أو أخضر يزيغ بصره عن جادة الأبصار {وَمَا طغى} ما تخيل المعدوم موجوداً فرأى المعدوم مجاوزاً الحد.
لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى (18)
وفيه مسائل:
المسألة الأولى:
فيه دليل على أن النبي صلى الله عليه وسلم ، رأى ليلة المعراج آيات الله ، ولم ير الله ، وفيه خلاف ووجهه: هو أن الله تعالى ختم قصة المعراج ههنا برؤية الآيات ، وقال: {سُبْحَانَ الذي أسرى بِعَبْدِهِ لَيْلاً} إلى أن قال: {لِنُرِيَهُ مِنْ ءاياتنا} [الإسراء: 1] ولو كان رأى ربه لكان ذلك أعظم ما يمكن ، فكانت الآية الرؤية ، وكان أكبر شيء هو الرؤية ، ألا ترى أن من له مال يقال له: سافر لتربح ، ولا يقال: سافر لتتفرج ، لما أن الربح أعظم من التفرج.
المسألة الثانية: