قال الحليمي: فتحمل الآية الأولى على السؤال عن التوحيد وتصديق الرسل، والثانية على ما يستلزم الإقرار بالنبوات؛ من شرائع الدين وفروعه، حمله غيره على اختلاف الأماكن؛ لأن في القيامة مواقف كثيرة، فموضع يسأل ويناقش، وموضع آخر يرحم ويلطف به، وموضع آخر يعنف ويوبخ، وهم الكفار، وموضع آخر لا يعنف، وهم المؤمنون. وكقوله تعالى: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ} وقوله: {قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ (9) وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ (10) } إلى قوله: {فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ} وذلك يبلغ ثمانية أيام، والجواب أن المراد بقوله: {قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ} إلى قوله: {وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ} مع اليومين المتقدمين، ولم يرد بذكر الأربعة غير ما تقدم ذكره، وهذا كما يقول الفصيح: سرت من البصرة إلى بغداد في عشرة أيام، وسرت إلى الكوفة في ثلاثة عشر يومًا، ولا يريد سوى العشرة، بل يريد مع العشرة ثلاثة ثم قال تعالى: {فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ} وأراد سوى الأربعة، وذلك لا مخالفة فيه؛ لأن المجموع يكون ستة.
وكذلك ما ورد في قوله تعالى {الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [النحل: 32] .
مع ما ورد عن النبي - صلى الله عليه وسلم -"لن يدخل أحدكم الجنة بعمله"فظاهر الحديث يخالف الآية، مما جعل أهل الحديث يبحثون في وجه الجمع بينهما، وممن قام بالجمع بينهما شيخ الإسلام ابن القيم -رحمه الله- حيث يقول:
ها هنا أمر يجب التنبيه عليه، وهو: أن الجنة تدخل برحمة الله تعالى، وليس عمل العبد مستقلًا بدخولها، وإن كان سببًا.