الشرط الثاني: اتحاد الجهة، ويُعَبَّر عنه باتحاد الحال أي: الحال المحمول عليه كل من الحكمين التي يتوجه إليها الحكمان المتقابلان، فإن اختلفت الجهة ولو اتحد الحكم فلا تعارض، ومثال ذلك الأمر بحلق الرأس في الحج والعمرة، والنهي عن حلقه فيهما، لاختلاف جهة الحكم، فلا تعارض بين قوله تعالى: {وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ} [البقرة: 196] ، وبين قوله: {مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ} [الفتح: 27] ، فالآية الأولى فيما يحرمه الإحرام بالحج والعمرة، والآية الثانية في التحلل من الحج والعمرة.
ومثال آخر قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ} [المائدة: 6] .
كلمة {وَأَرْجُلَكُمْ} فيها قراءتان إحداهما: بنصب اللام (1) عطفًا على {وُجُوهَكُمْ} ، والثانية بجرها (2) عطفًا على {بِرُءُوسِكُمْ} ، والأولى تقتضي وجوب غسل الرجلين، والثانية تقتضي وجوب مسحهما، والقراءتان بمنزلة دليلين، ومع اختلاف مقتضى القراءتين فإنه لا تعارض لاختلاف الجهة -الحال- إذ إن قراءة الجر المقتضية مسح الرجلين؛ محمولة على حال استتار القدمين بالخفين، وقراءة النصب المقتضية غسل الرجلين؛ محمولة على حال ظهور القدمين.
الشرط الثالث: اتحاد زمن الحكمين، فإن اختلف زمن الحكمين فلا تعارض، وإن اتحد المحل محل الحكم.
ومثال ذلك: الأمر باعتزال الزوجة في المحيض، وإباحة جماعها بعده -الطُهْر-، فمحل الحكم واحد وهو الزوجة، لكن اختلف زمن الحكمين، فلا تعارض إذا بين قوله تعالى: {فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ} ، وبين قوله: {فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ} [البقرة: 222] .
الوجه الرابع: أقسام التعارض.
من خلال ما تقدم من تعريف التعارض، وأركانه، وشروطه؛ يمكن تقسيم التعارض إلى قسمين: التعارض الحقيقي، والتعارض الظاهري.
وهذا ما نفصله في المبحثين الآتيين:
المبحث الأول: التعارض الحقيقي.