وَالثَّانِي: أَنَّهَا كَانَتْ حَارَةٌ وَالصِّرُّ هُوَ الشَّدِيدُ لَا الْبَارِدُ وَبِالشِّدَّةِ فُسِّرَ قَوْلُهُ تعالى: (فِي صَرَّةٍ) [الذاريات: 29] أَيْ فِي شِدَّةٍ مِنَ الْحَرِّ.
* فِي قوله تَعَالَى: (مَا تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ) لِأَنَّ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: (مَا تَذَرُ) نَفْيُ التَّرْكِ مَعَ إِثْبَاتِ الْإِتْيَانِ فَكَأَنَّهُ تَعَالَى قَالَ تَأْتِي عَلَى أَشْيَاءَ وَمَا تَتْرُكُهَا غَيْرَ مُحَرَّقَةٍ وَقَوْلُ الْقَائِلِ: مَا أَتَى عَلَى شَيْءٍ إِلَّا جَعَلَهُ كَذَا يَكُونُ نَفْيُ الْإِتْيَانِ عَمَّا لَمْ يَجْعَلْهُ كَذَلِكَ.
(وَالسَّماءَ بَنَيْناها بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ(47)
كرر ذكر البناء في السماوات، قَالَ تَعَالَى: (وَالسَّماءِ وَما بَناها) [الشَّمْسِ: 5] وَقَالَ تعالى: [النازعات: 27] (أَمِ السَّماءُ بَناها) وَقَالَ تَعَالَى: (جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرارًا وَالسَّماءَ بِناءً) [غَافِرٍ: 64] فَمَا الْحِكْمَةُ فِيهِ؟
نَقُولُ فِيهِ وُجُوهٌ:
أَحَدُهَا: أَنَّ الْبِنَاءَ بَاقٍ إِلَى قِيَامِ الْقِيَامَةِ لَمْ يَسْقُطْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَمْ يُعْدَمْ مِنْهُ جُزْءٌ، وَأَمَّا الْأَرْضُ فَهِيَ فِي التَّبَدُّلِ وَالتَّغَيُّرِ فَهِيَ كَالْفَرْشِ الَّذِي يُبْسَطُ وَيُطْوَى وَيُنْقَلُ، وَالسَّمَاءُ كَالْبِنَاءِ الْمَبْنِيِّ الثَّابِتِ، وَإِلَيْهِ الْإِشَارَةُ بِقوله تَعَالَى: (سَبْعًا شِدادًا) [النَّبَأِ: 12] وَأَمَّا الْأَرَاضِي فَكَمْ مِنْهَا مَا صَارَ بَحْرًا وَعَادَ أَرْضًا مِنْ وَقْتِ حُدُوثِهَا.
ثَانِيهَا: أَنَّ السَّمَاءَ تُرَى كَالْقُبَّةِ المبنية فوق الرءوس، وَالْأَرْضَ مَبْسُوطَةٌ مَدْحُوَّةٌ وَالْبِنَاءُ بِالْمَرْفُوعِ أَلْيَقُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: (رَفَعَ سَمْكَها) [النَّازِعَاتِ: 28] .
ثَالِثُهَا: قَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ: السَّمَاءُ مَسْكَنُ الْأَرْوَاحِ وَالْأَرْضُ مَوْضِعُ الْأَعْمَالِ وَالْمَسْكَنُ أَلْيَقُ بِكَوْنِهِ بِنَاءً وَاللَّهُ أَعْلَمُ.