ثم في إسناد إيتاء التقوى إليه تعالى وإسناد متابعة الهوى إليهم إيماءً إلى معنى قوله تعالى حكاية: {وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ} [الشعراء: 80] وتلويح إلى أن متابعة الهوى مرض روحاني وملازمة التقوى دواء إلهي انتهى.
وما ذكره من التقابل جار فيما ذكرناه أيضاً ، وكذا يجري التقابل على تفسير إيتاء التقوى ببيان ما يتقون لإشعار الكلام عليه بأن ما هم فيه ليس من ارتكاب الهوى والتشهي بل هو أمر حق مبني على أساس قوي ، وتفسير ذلك بإعطاء جزاء التقوى مروى عن سعيد بن جبير وذهب إليه الجبائي ، والكلام عليه أفيد وأبعد عن التأكيد من غير حاجة إلى حمل التقوى على أعلى مراتبها ، وأمر التقابل هين فإنه قد يقال: إن قوله تعالى: {اهتدوا} في مقابلة {اتبعوا أَهْوَاءهُمْ} وقوله سبحانه: {زَادَهُمْ هُدًى} في مقابلة {طَبَعَ الله على قُلُوبِهِمْ} فليتدبر ، وقيل: فاعل {زَادَهُمْ} ضمير قوله صلى الله عليه وسلم المفهوم من قوله تعالى:
{وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ} [محمد: 16] وقوله سبحانه: {مَاذَا قَالَ ءانِفاً} [محمد: 16] وكذا فاعل {ءاتاهم} أي أعانهم أو بين لهم ، والإسناد مجازي ، ولا يخفى أنه خلاف الظاهر ، وأيضاً إذا كان قوله تعالى: {زَادَهُمْ هُدًى} في مقابلة قوله سبحانه: {طَبَعَ الله على قُلُوبِهِمْ} فالأولى أن يتحد فاعله مع فاعله ويجري نحو ذلك على ما قاله الطيبي لئلا يلزم التفكيك ، وجوز أن يكون ضميراً عائداً على قول المنافقين فإن ذلك مما يعجب منه المؤمن فيحمد الله تعالى على إيمانه ويزيد بصيرة في دينه ، وهو بعيد جداً بل لا يكاد يلتفت إليه.