فأما سياق الآية فإنه في معرض إنكاره عليهم عبادة من لا يستحق العبادة، فلا بد أن يبين فيه معنى ينافي كونه معبودا فبين هذا المعنى بكونه مخلوقا له، ومن كان مخلوقا من بعض مخلوقاته فإنه لا ينبغي أن يعبد ولا تليق به العبادة.
وتأمل مطابقة هذا المعنى لقوله: {وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ} كيف أنكر عليهم عبادة آلهة مخلوقة له سبحانه وهي غير خالقة، فهذا يبين المراد من قوله: {وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ}
ونظيره قوله في سورة الأعراف: {إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ} أي هم عباد مخلوقون كما أنتم كذلك فكيف تعبدون المخلوق.
وتأمل طريقة القرآن لو أراد المعنى الذي ذكروه من حسن صفاته وانفراده بالخلق كقول صاحب يس: {وَمَا لِيَ لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي}
فهنا لما كان المقصود إخبارهم بحسن عبادته واستحقاقه لها ذكر الموجب لذلك وهي كونه خالقا لعابده فاطرا له وهذا إنعام منه عليه فكيف يترك عبادته، ولو كان هذا هو المراد من قوله: {وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ} كان يقتضي أن يقال: ألا يعبدون الله وهو خالقهم وخالق أعمالهم.
فتأمله فإنه واضح.
وقول أبي القاسم في تقرير حجة المعتزلة من الآية أنه لا يصح أن تكون مصدرية، وهو باطل من جهة النحو وليس كذلك.
أما قوله إن (ما) لا تكون مع الفعل الخاص مصدرا فقد تقدم بطلانه إذ مصدريتها تقع مع الفعل الخاص المبهم لقوله تعالى: {بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكَذِبُونَ} وقوله: {وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ} وقوله: {بِمَا كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ}
إلى أضعاف ذلك، فإن هذه كلها أفعال خاصة وهي أخص من مطلق العمل، فإذا جاءت مصدرية مع هذه الأفعال فمجيئها مصدرية مع العمل أولى.
وقولهم إنهم لم يكونوا يعبدون النحت وإنما عبدوا المنحوت حجة فاسدة، فإن الكلام في (ما) المصاحبة للفعل دون المصاحبة لفعل النحت فإنها لا تحتمل غير الموصولة، ولا يلزم من كون الثانية مصدرية كون الأولى كذلك.
فهذا تقرير فاسد.
وأما تقريره كونها مصدرية أيضا بما ذكره فلا حجة له فيه.
أما قوله: أفعال العباد لا تقع على الجواهر والأجسام فيقال: ما معنى عدم وقوعها على الجواهر والأجسام؟