والخلاصة: أنّا نعلم ما يسرون من معرفتهم، حقيقة ما تدعوهم إليه، وما يعلنون من جحود ذلك بألسنتهم علانية، وسنجزيهم وصفهم، ونعاملهم بما يستحقون، يوم يجدون جليل أعمالهم وحقيرها حاضرًا لديهم. وجملة قوله: {إِنَّا نَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ} تعليل لما قبله من النهي عن الحزن. فإن علمه سبحانه بما يسرون وما يعلنون، مستلزم للمجازاة لهم بذلك، وأن جميع ما صدر منهم، لا يعزب عنه، سواء كان خافيًا أو باديًا سرًا أو جهرًا مظهرًا أو مضمرًا وتقديم السر على العلن، إما للمبالغة في بيان شمول علمه تعالى، لجميع المعلومات، كأن علمه تعالى، بما يسرون، أقدم منه بما يعلنون، مع استوائهما في الحقيقة. فإن علمه تعالى، بمعلوماته، ليس بطريق حصول صورها، بل وجود كل شيء في نفسه علم بالنسبة إليه تعالى. وفي هذا المعنى، لا يختلف الحال بين الأشياء البارزة والكامنة. وإما لأن مرتبة السر متقدمة على مرتبة العلن، إذ ما من شيء يعلن إلا وهو. أو مبادية مضمر في القلب قبل ذلك، فتعلق علمه بحالته الأولى، متقدم على تعلقه بحالته الثانية حقيقةً.
وفي الآية: إشارة إلى أن كلام الأعداء، الصادر من العداوة والحسد، جدير بأن يحزن قلوب الأنبياء، مع كمال قوتهم، وأنهم ومتابعيهم مأمورون بعدم الالتفات، وتطييب القلوب في مقاساة الشدائد في الله، بأن لها ثمرات كريمة عند الله تعالى. وإذا علم العبد، أن ألمه آت من الحق، هان عليه ما يقاسه، لا سيما إذا كان في الله، كما في «التأويلات النجمية» . قال بعضهم: ليخفف ألم البلاء، علمك بأن الله هو المبتلي.
قال في «برهان القرآن» قوله: {فَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّا نَعْلَمُ} هنا، وفي يونس: {وَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا} تشابها في الوقف على لفظة {قَوْلُهُمْ} في السورتين؛ لأن الوقف عليه لازم. و {إن} فيهما مكسورةً في الابتداء لا في الحكاية، ومحكي القول فيهما محذوف. ولا يجوز الوصل؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - منزه عن أن يخاطب بذلك، انتهى. انتهى {حدائق الروح والريحان. 24/ 78 - 100} ...