فالمقصود بالآيتين الكريمتين تهديدهم على استمرارهم في كفرهم، وبيان أنهم تحت قدرة الله - تعالى - وفي قبضته، وأنه - سبحانه - قادر على أن يفعل بهم ما يشاء من طمس للأبصار، ومن مسخ للصور، ومن غير ذلك مما يريده - تعالى -.
ثم بين - سبحانه - أحوال الإنسان عند ما يتقدم به العمر فقال: وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ أَفَلا يَعْقِلُونَ.
وقوله: نُعَمِّرْهُ من التعمير، بمعنى إطالة العمر.
قال القرطبي: وقوله: نُنَكِّسْهُ قرأه عاصم وحمزة - بضم النون الأولى وتشديد
الكاف - من التنكيس. وقرأه الباقون: نُنَكِّسْهُ - بفتح النون الأولى وضم الكاف - من نكست الشيء أنكسه نكسا إذا قلبته على رأسه فانتكس.
قال قتادة: المعنى: أنه يصير إلى حال الهرم الذي يشبه حال الصبا ... قال الشاعر:
من عاش أخلقت الأيام جدّته ... وخانه ثقتاه السمع والبصر
فطول العمر يصير الشباب هرما، والقوة ضعفا، والزيادة نقصا .. وقد استعاذ النبي صلّى الله عليه وسلم من أن يرد إلى أرذل العمر .. ».
والمعنى: «ومن نطل عمره ننكسه في الخلق» أي: نرده إلى أرذل العمر، فنجعله - بقدرتنا - ضعيفا بعد أن كان قويا، وشيخا بعد أن كان شابا فتيا، وناقص العقل بعد أن كان مكتمله ... أَفَلا يَعْقِلُونَ ذلك - أيها الناس - مع أنه من الأمور المشاهدة أمام أبصاركم، وتعرفون أن من قدر على تحويل الإنسان من ضعف إلى قوة، ومن قوة إلى ضعف .. قادر - أيضا - على إعادته إلى الحياة مرة أخرى بعد موته.
وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى: اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ، ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً، ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً وَشَيْبَةً، يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ.
وقوله - سبحانه - وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئاً.
وبذلك نرى الآيات الكريمة، قد هددت الكافرين بسوء المصير إذا استمروا في كفرهم، وبينت جانبا من فضل الله - تعالى - عليهم، لعلهم يفيئون إلى رشدهم، ويشكرونه على نعمه. انتهى انتهى {التفسير الوسيط، لـ طنطاوي. 12/ 41 - 50} ...