الثالث لأن إقرار غير الناطق أبلغ في الحجة من إقرار الناطق ؛ لخروجه مخرج الإعجاز ، وإن كان يوماً لا يحتاج إلى إعجاز.
الرابع ليعلم أن أعضاءه التي كانت أعواناً في حق نفسه صارت عليه شهوداً في حق ربه.
فإن قيل: لم قال {وَتُكَلِّمُنَآ أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ} فجعل ما كان من اليد كلاماً ، وما كان من الرجل شهادة؟ قيل: إن اليد مباشرة لعمله والرجل حاضرِة ، وقول الحاضر على غيره شهادة ، وقول الفاعل على نفسه إقرار بما قال أو فعل ؛ فلذلك عبر عما صدر من الأيدي بالقول ، وعما صدر من الأرجل بالشهادة.
وقد روي عن عُقبة بن عامر قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"أول عظم من الإنسان يتكلم يوم يختم على الأفواه فَخِذه من الرِّجل اليسرى"
ذكره الماوردي والمهدوي.
وقال أبو موسى الأشعري: إني لأحسب أن أول ما ينطق منه فخذه اليمنى ؛ ذكره المهدوي أيضاً.
قال الماوردي: فاحتمل أن يكون تقدم الفخذ بالكلام على سائر الأعضاء ؛ لأن لذة معاصيه يدركها بحواسه التي هي في الشطر الأسفل منها الفخذ ، فجاز لقربه منها أن يتقدم في الشهادة عليها.
قال: وتقدمت اليسرى ؛ لأن الشهوة في ميامن الأعضاء أقوى منها في مياسرها ؛ فلذلك تقدمت اليسرى على اليمنى لقلة شهوتها.
قلت: أو بالعكس لغلبة الشهوة ، أو كلاهما معاً والكفّ ؛ فإن بمجموع ذلك يكون تمام الشهوة واللذة.
والله أعلم.
قوله تعالى: {وَلَوْ نَشَآءُ لَطَمَسْنَا على أَعْيُنِهِمْ فاستبقوا الصراط فأنى يُبْصِرُونَ} حكى الكسائي: طَمَس يَطمِس ويَطمُس.
والمطموس والطَّمِيس عند أهل اللغة الأعمى الذي ليس في عينيه شقّ.
قال ابن عباس: المعنى لأعميناهم عن الهدى ، فلا يهتدون أبداً إلى طريق الحق.
وقال الحسن والسّدي: المعنى لتركناهم عمياً يترددون.
فالمعنى لأعميناهم فلا يبصرون طريقاً إلى تصرفهم في منازلهم ولا غيرها.
وهذا اختيار الطبري.