الزخرف 54. ففرعون وأمثاله من الأقوياء ما استطاعوا أنْ يواجهوا الشيطان، وما استطاعوا النجاة من مكايده لأنه دخل إليهم من مدخل شهوات النفس، ثم صعَّب عليهم الطاعات، فمالوا إلى المعاصي وانصرفوا عن الطاعات. ثم يُؤنِّب الحق سبحانه هؤلاء العاصين {أَفَلَمْ تَكُونُواْ تَعْقِلُونَ} يس 62 يعني أين كانت عقولكم حين انسقتُمْ وراءه، بعد أن حذرناكم منه وبيَّنا لكم مداخله، وحين يردُّك خالقك إلى العقل، ويأمرك بإعماله فاعلم أن نتيجة إعمال العقل موافقة لمراده سبحانه منك، فإنْ أعملتَ عقلك في كَوْن الله وآياته، لا بد أنْ تصل إلى نتيجة مرادة لله تعالى، كذلك أنت لا تأمر مخاطبك بأنْ يُعمل عقله في شيء، إلا إذا كنتَ واثقاً أنَّ نتيجة هذا العمل في صالحك، ووِفْق هواك، ولو كنتَ تعرف أن النتيجة على خلاف ما تريد ما أعطيتَه الفرصة لإعمال عقله. ومثَّلْنَا لذلك بالبائع الذي يبيع سلعة جيدة، فإنه يدعوك إلى فحصها وتأمُّلها والتأكد من جودتها، فبائع الأصواف مثلاً يعرض عليك الثوب، ويُبيِّن لك جودته، ويشعل الثقاب، ويحرق لك خيطاً من خيوط النسيج، إنه لا يفعل ذلك إلا وهو واثق من جودة بضاعته وأنك لا بُدَّ مقتنع بها، حريص على شرائها، أما الغَاشُّ فيحاول إقناعك بكلام نظري معظمه كذب وتدليس، ويحاول أنْ يصرف ذهنك وفكرك في الشيء، لأن النتيجة لن تكون في صالحه. كذلك الحق - سبحانه وتعالى - يقول {أَفَلَمْ تَكُونُواْ تَعْقِلُونَ} يس 62. يعني لو عقلتم لَتوصلْتُم إلى الحق، وإلى الصراط المستقيم.
{هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ}
هنا أيضاً اعتبر التخويفَ من جهنم وعداً لا وعيداً، وسبق أنْ عرفنا أن الوعد في الخير، والوعيد في الشر، ومن ذلك قول الشاعر
يَا دَهْرُ يَا مُنْجِزَ إيعَادِهِ وَمُخْلِفَ المأْمُولِ مِنْ وَعْدِهِ ...