أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لَا يَرْجِعُونَ (31)
هذه الجملة بيان لجملة {ما يأتيهم من رسول إلا كانوا به يستهزئؤن} [يس: 30] لما فيها من تفصيل الإِجمال المستفاد من قوله: ما يأتيهم من رسول إلا كانوا به يستهزئون فإن عاقبة ذلك الاستهزاء بالرسول كانت هلاك المستهزئين ، فعدمُ اعتبار كل أمة كذبت رسولها بعاقبة المكذبين قبلها يثير الحسرة عليها وعلى نظرائها كما أثارها استهزاؤهم بالرسول وقلة التبصر في دعوته ونذارته ودلائل صدقه.
وضمير يَرَوا عائد إلى العباد كما يقتضيه تناسق الضمائر.
والمعاد فيه عموم ادعائي كما تقدم آنفاً ، فيتعين أن تخص منه أول أمة كذبت رسولها وهم قوم نوح فإنهم لم يسبق قبلهم هلاك أمة كذبت رسولَها ، فهذا من التخصيص بدليل العقل لأن قوله: {قَبْلَهُم} يرشد بالتأمل إلى عدم شموله أول أمة أرسل إليها.
وقيل: يجوز أن يكون ضمير {أَلم يَروا} عائداً إلى ما عاد إليه ضمير {واضْرِب لهُمْ مَثَلاً} [يس: 13] ويكون المثَل قد انتهى بجملة {ياحَسْرَةً على العِبَادِ} [يس: 30] الآية.
وهذا بعيد لأنه كان يقتضي أن تعطف الجملة على جملة {واضْرِب لهم مَثَلاً} كما عطفت جملة {وءَايَةٌ لهم الأرض الميتة أحييناها} [يس: 33] الآية ، وجملة {وءاية لهم اللَّيْل نسلَخُ منه النهار} [يس: 37] ، وجملة {وءايةٌ لهم أنَّا حملنا ذريتهم في الفلك المشحون} [يس: 41] ، ولا مُلجئ إلى هذا الاعتبار في المعاد ، وقد علمت توجيه الاعتبار الأول لتصحيح العموم.