وقد فطر الله رسله - عليهم الصلاة والسلام - على الرحمة وحب الخير؛ فكانوا أحرص الناس على نجاة الناس وكمالهم وسعادتهم، فصبروا على تكذيبهم وإذايتهم، حتى أدوا أمانة الله إليهم، وأقاموا حجته عليهم، وكان الله ينجيهم ومن آمن بهم، وينزل عقوبته بالمكذبين لهم، وينصرهم عليهم؛ فأعلم محمداً - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ -، بأنه من المرسلين لينذر - ليتأسى بهم، ويصبر صبرهم، ويرجو من نصر الله له وإهلاك أعدائه ما كان منه تعالى لهم.
إقتداء:
العلماء ورثة الأنبياء. وما ورث الأنبياء ديناراً ولا درهماً، وإنما ورثوا العلم، والعلم مستمد من الرسالة، فعلى أهله واجب التبليغ والنذارة، والصبر على ما في طريق ذلك من الأذى والبلايا، والعطف على الخلق والرحمة، وقد قال الله تعالى: {فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ} [التوبة: 122] .
التدريج في الإنذار:
أرسل الله محمداً - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - للعالمين بشيراً ونذيراً.
ودرجه في النذارة على مقتضى الحكمة، من القريب إلى البعيد.
فأمره بإنذار عشيرته بقوله تعالى: {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ} [الشعراء: 214] ، فصعد الصفا فنادى بطون قريش حتى نادى العباس عمه، وصفية عمته، وفاطمة ابنته، وقال لهم: «اشْتَرُوا أَنْفُسَكُمْ لَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنْ اللَّهِ شَيْئًا
وأمره بإنذار من حول مكة من العرب بقوله تعالى: {لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا} [الشورى: 7] . على الوجه الأقرب في معنى: {وَمَنْ حَوْلَهَا} المؤيد بصدر الكلام وهو قوله: {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا} [الشورى: 7] .
ومثلها في إنذار العرب ما في هذه الآية، وهو قوله: {لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ} [يس: 6] .
فكان يعرض نفسه على قبائل العرب في المواسم
وأمره بتعميم الإنذار بمثل قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا} [الأعراف: 158] .