وقوله: {وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ} في موضع الحال إما من المنوي في {وَخَشِيَ} ، أو من {الرَّحْمَنَ} جل ذكره، وقد ذكر نظيره في غير موضع.
وقوله: {وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ} الجمهور على نصب (كُلَّ) على إضمار فعل يفسره الظاهر، وقرئ: بالرفع على الابتداء، والكلام فيه كالكلام في {وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ} في"سبحان"، وقد ذكر ثمَّ وأُوضح.
{وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ (13) إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ (14) قَالُوا مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَمَا أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ (15) } :
قوله عز وجل: {وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ} الضرب هنا يجوز أن يتعدى إلى مفعولين على تضمينه معنى الجعل والتصيير، كقولك: ضربت الشيء مثلًا، أي: جعلته مثلًا. وهما {مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ} فـ {أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ} مفعول أول، و {مَثَلًا} ثان. وأن يتعدى إلى واحد وهو {مَثَلًا} على معنى: اذكر لهم، أوصِف لهم مثلًا. وقوله: {أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ} : بدل من {مَثَلًا} والتقدير: واضرب لهم مثلًا مَثَلَ أصحابِ القرية، فحذف المضاف، كأنه قيل: صف لهم أصحاب القرية، أو اذكر لهم أصحاب القرية، أي: خبرهم.
وقوله: {إِذْ جَاءَهَا} ناصب {إِذْ} محذوف وهم خَبَرُهُمْ أو قِصتُهُمْ. ويجوز أن يكون حالًا من هذا المقدر المحذوف، وقال الزمخشري: انتصاب {إِذْ} بأنه بدل من {أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ} ، وهو بدل الاشتمال على زعمه، وفيه نظر، لأن الظرف -أعني ظرف الزمان- كما لا يجوز أن يكون وصفًا للعين، ولا حالًا منه، ولا خبرًا عنه، ينبغي أيضًا ألا يكون بدلًا منه، فاعرفه.
و {إِذْ} الثاني وهو قوله: {إِذْ أَرْسَلْنَا} بدل من الأول وهو هو.
قوله: {فَعَزَّزْنَا} المفعول محذوف. أي: فقويناهما بثالث، أي: برسول ثالث، من عَزَّزَ المطرُ الأرضَ، إذا لَبَّدَها وشدها، وأرض معزوزة، أي: شديدة.