وجَمَعَ الظلماتِ لأنها عبارةٌ عن الكفرِ والضلالِ ، وطرقُهما كثيرةٌ متشعبةٌ ، ووحَّد النورَ لأنه عبارةٌ عن التوحيدِ وهو واحدٌ ، فالتفاوتُ بين كلِّ فردٍ مِنْ أفرادِ الظلمة ، وبين هذا الفردِ الواحد . والمعنى: الظلماتُ كلُّها لا تجدُ فيها ما يساوي هذا الواحدَ كذا قيل . وعندي أنه ينبغي أَنْ يُقال: إن هذا الجمعَ لا يُساوي هذا الواحدَ فيُعْلَمُ انتفاءُ مساواةِ فردٍ منه لهذا الواحدِ بطريقِ الأَوْلى ، وإنما جَمَع الأحياءَ والأمواتَ لأنَّ التفاوتَ بينهما أكثرُ ؛ إذ ما من ميتٍ يُساوي في الإِدراك حيَّاً ، فذكَرَ أنَّ الأحياءَ لا يُساوون الأموات سواءً قابَلْتَ الجنسَ بالجنسِ ، أم الفردَ بالفرد .
إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ (24)
قوله: {بالحق} : يجوزُ فيه أوجهٌ ، أحدُها: أنه حالٌ من الفاعلِ أي: أَرْسلناك مُحِقِّين ، أو من المفعولِ أي: مُحِقًّا ، أو نعتٌ لمصدرٍ محذوفٍ أي: إرسالاً مُلْتَبِساً بالحق ، أو متعلقٌ ب بشير ونذير . قال الزمخشري:"على: بشيراً بالوعدِ الحقِّ ، ونذيراً بالوعيد الحق"قال الشيخ:"ولا يمكن أَنْ يتعلَّقَ"بالحق"هذا ب"بشير ونذير"معاً ، بل ينبغي أَنْ يُتَأوَّل كلامُه على أنه أراد أنَّ ثَمَّ محذوفاً . والتقدير: بشيراً بالوعد الحق ، ونذيراً بالوعيد الحق". قلت: وقد صرَّحَ الرجلُ بهذا .
قوله: {إِلاَّ خَلاَ فِيهَا نَذِيرٌ} خبر"مِنْ أمةٍ"وحَذَفَ مِنْ هذا ما أثبته في الأول ؛ إذ التقديرُ: إلاَّ خَلا فيها نذيرٌ وبشير .
أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ (27)