وقولي"لأجلِ الفاصلةِ"هنا وفي غيرِه من الأماكنِ أحسنُ مِنْ قولِ بَعْضِهم لأجلِ السَّجْع ؛ لأنَّ القرآن يُنَزَّه عن ذلِك . وقد منع الجمهورُ/ أَنْ يُقال في القرآن سَجْعٌ ، وإنما كرَّر الفعلَ في قوله: {وَمَا يَسْتَوِي الأحيآء} مبالغةً في ذلك ؛ لأنَّ المنافاةَ بين الحياةِ والموتِ أتمُّ من المنافاةِ المتقدمةِ ، وقدَّم الإِحياءَ لشرفِ الحياةِ ولم يُعِدْ"لا"تأكيداً في قولِه:"الأَعمى والبصير"وكرَّرها في غيره ؛ لأنَّ منافاةَ ما بعدَه أتمُّ ، فإن الشخصَ الواحدَ قد يكونُ بصيراً ثم يصيرُ أَعْمى ، فلا منافاةَ إلاَّ من حيث الوصفُ بخلافِ الظلِّ والحرورِ ، والظلماتِ والنور ، فإنها متنافيةٌ أبداً ، لا يَجْتمع اثنان منها في محلّ ، فالمنافاةُ بين الظلِّ والحرورِ وبين الظلمةِ والنورِ دائمةٌ .
فإنْ قيل: الحياةُ والموتُ بمنزلةِ العمى والبصرِ ، فإنَّ الجسمَ قد يكون مُتَّصفاً بالحياةِ ثم يتصفُ بالموت . فالجواب: أنَّ المنافاةَ بينهما أتمُّ من المنافاةِ بين الأعمى والبصيرِ ؛ لأنَّ الأعمى والبصيرَ يشتركان في إدراكات كثيرةٍ ، ولا كذلكَ الحيُّ والميت ، فالمنافاةُ بينهما أتمُّ ، وأفردَ الأعمى والبصيرَ لأنَّه قابلَ الجنسَ بالجنسِ ، إذ قد يُوْجد في أفراد العُمْيان ما يُساوي بعضَ أفرادِ البُصَراءِ كأعمى ذكي له بصيرةٌ يُساوي بصيراً بليداً ، فالتفاوتُ بين الجنسين مقطوعٌ به لا بين الأفراد .