ثم بيَّن أن الهداية والتوفيق بيده سبحانه وحده، فقال: {إِنَّ اللَّهَ} سبحانه وتعالى: {يُسْمِعُ} كلامه إسماع فهم واتّعاظ، وذلك بإحياء القلب. {مَنْ يَشَاءُ} أن يسمعه من أوليائه الذين خلقهم لجنته، ووفَّقهم لطاعته، فينتفع بإنذارك، {وَمَا أَنْتَ} يا محمد، {بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ} ؛ أي: بمفهم من هو مثل الميت الذي في القبور، شبَّه الله سبحانه الكفار بالموتى في عدم التأثر بدعوته - صلى الله عليه وسلم - ؛ أي: فكما لا يسمع أصحاب القبور ولا يجيبون .. كذلك الكفار لا يسمعون ولا يقبلون الحق.
وقرأ الجمهور: بتنوين {مسمع} وقطعه عن الإضافة، وقرأ الحسن والأشهب وعيسى الثقفي وعمرو بن ميمون: بإضافته، والمعنى: إن الله يهدي من يشاء إلى سماع الحجة وقبولها بخلق الاستعداد فيه للهداية، ثم ضرب مثلًا لهؤلاء المشركين، وجعلهم كالأموات لا يسمعون فقال: {وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ} الخ؛ أي: فكما لا تقدر أن تسمع من في القبور كتاب الله فتهديهم به إلى سبيل الرشاد .. لا تقدر أن تنفع بمواعظ الله وحججه من كان ميت القلب، لا يستطيع فهم كتابه ومعرفة مغازي الدين وأسراره.
والخلاصة: كما لا ينتفع الأموات بعد أن صاروا إلى قبورهم، وهم كفار بالهداية والدعوة إليها، كذلك هؤلاء المشركون لا حيلة لك فيهم، ولا تستطيع هدايتهم،
23 -ثم بين عمل الرسول ووظيفته فقال: {إِنْ أَنْتَ} ؛ أي: ما أنت يا محمد {إِلَّا نَذِيرٌ} ؛ أي: رسول منذر بالنار والعقاب ومخوف، وأما الإسماع ألبتَّة فليس من وظائفك ولا حيلة لك إليه في المطبوع على قلوبهم الذين هم بمنزلة الموتى. والمعنى: أي: ما أنت إلا رسول منذر عقاب الله لهؤلاء المشركين الذين طبع على قلوبهم، ولم تكلَّف هدايتهم وقبولهم ما جئتهم به، فإن ذلك بيده تعالى لا بيدك ولا بيد غيرك، فلا تذهب نفسك عليهم حسرات إن هم لم يستجيبوا لك.