وذهب بعضهم إلى أنه كان يجوز عليه الخطأ في اجتهاده ، إلاَّ أنهم اتفقوا على أنه لا يقر عليه ، بل ينزل الوحي ويرشده إليه ، ويبين الصواب فيه ، وهو اختيار الشيرازي في كتابيه التبصرة واللمع ، وحكاه الآمدي عن أكثر أصحابه والحنابلة وأصحاب الحديث وجماعة من المعتزلة ، ومن ثم اختاره هو وابن الحاجب وانظر الاحكام (4 / 187) ، والمنتهى (ص 162) واللمع (ص 76) ، والتبصرة (ق / 139 / ب) مصور في خزانتنا الخاصة عن نسخة الأزهر ، والمستصفي (2 / 255) .
ومن خلال هذه المقدمة الوجيزة نرى أن علماء الأمة قد انقسموا بين محيل للخطأ عليه وبين مجيز له إلاّ أنه يقول بانه لا يقر عليه ، ولم نر واحدا من علماء الامة قال: إن الرسولصلى الله عليه وآله وسلم كان يجتهد في المعاملات ، وكأن اجتهاده محتملا للخطأ وكان يقر عليه ولا ينبه إليه ، إذا لأصبح الأمر فوضى والتبس الحق بالباطل ولأصبح المسلم لا يدري هل أصاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيما قال أو أخطأ ، وهذا لا يقول به مسلم قد خالطت بشاشة الإيمان قلبه وإن كل ما قاله الرسول صلى الله عليه وآله وسلم يجب أن تلتزم به الأمة سواء أكان على طريق الوجوب ، أم الندب ، أم الإباحة ، أم الكراهة ، أم التحريم وأن حادثة التأبير حادثة واحدة قد نبه الرسول صلى الله عليه وآله وسلم عليها ولا يجوز لنا أن نقيس بها غيرها من الأمور التي تتعلق بالمعاملات ، ولو أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عاد فِي السنة الثانية ونهى الناس عن تأبير النخل لوجب عليهم أن يلتزموا أمره وأن يمتنعوا عن تأبيره وإلا سيكونون ممن أعرض عن إتباع شرعه ، وكفر برسالته.