والذي يهمنا هنا هو الفقرة الأولى ، وأما الثانية فسأتكلم عليها في الفقرة الثالثة: وقبل الخوض فيها أقدم لها بمقدمة حول إجهاده عليه السلام ، فأقول:
ذهب جمهور المسلمين من الفقهاء والأصوليين إلى أنه عليه السلام كان يجوز له الإجهاد في الحوادث كسائر الأنبياء ، وهو مذهب الشافعي وأكثر أصحابه ، وأحمد ، والقاضي أبي يوسف من الأحناف ، والقاضي عبد الجبار وأبي الحسين البصري من المعتزلة ، وأختاره الآمدي في الإحكام (4 / 134) ، وابن الحاجب في المنتهى والمختصر ، والبيضاوي تبعا للرازي كما في الإبهاج (3 / 169) وهو اختيار الإمام الشيرازي كما في التبصرة ، واللمع (ص 76) . ومن الناس من جوزه في أمور الحرب دون غيرها كالأحكام الشرعية ، كما في الإحكام (4 / 143) .
وفصل الأحناف فقالوا: لا يجوز له الإجهاد ما دام راجياً للوحي إذ هو مأمور بانتظاره ، كما في تيسير التحرير (4 / 183) .
وذهب قوم إلى منعه مطلقاً ، وبه قال بعض المعتزلة كأبي علي الجبائي وابنه أبي هاشم ، كما في الإحكام (4 / 143) .
والجمهور القائلون بالجواز قد اختلفوا هل وقع منه اجتهاد أم لا ؟
فذهب أكثرهم إلى أنه قد وقع ومنهم الشيرازي والآمدي وابن الحاجب . ومنهم من أنكر وقوعه ، وتوقف المحققون كما قال ابن السبكي في الإبهاج (3 / 169) .
والقائلون بالوقوع قد اختلفوا ، هل كان الخطأ جائزاً على النبي صلى الله عليه وآله وسلم في إجهاده أم لا ؟؟
فذهب بعضهم إلى أنه لا يجوز عليه الخطأ فيما اجتهد به من الأحكام ، واليه ذهب الإمام الرازي وتبعه البيضاوي واختاره ابن السبكي وأطنب في نصرته ، وشنع على من قال بخلافه وقال في الإبهاج (3 / 172) بعد أن صوب القول بأنه لا يخطئ: وأنا أطهر كتابي أن أحكي فيه قولاً سوى هذا القول ، بل لا نحفل به ولا نعبأ .