وإن مما يخل بمكانة الرجل ، وينزل بمرتبته ، أن يوضع في منزلة غير منزلته ، فمن زعم أن زيداً من الناس معصوم لا يخطئ ، فقد وضعه في منزلة غير منزلته ، ألا وهي منزلة الله ، أو الرسول ، وهذا هبوط بالإنسان ، إذ الهبوط بالمرء عند العقلاء أن يوضع في غير موضعه. علا الموضع أو نزل. لقد جاء الإسلام ليخرج بالناس من عصبية الجاهلية المنتنة ، إلى سماحة الدين الغضة ، ومن التحيز لقبيلة أو جنس أو لون إلى العدالة والمساواة بين جميع الخلق.
النقد للإصلاح
ولقد علمنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن ينقد بعضنا بعضاً من أجل الإصلاح ، فجعل المرء مرآة لأخيه ، وأمرنا أن نقبل النقد ، لأن كل بني آدم خطاء.
ولقد علمنا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم - وعلى رأسهم الخلفاء الراشدون - بسلوكهم العملي ، كيف يرضى الإنسان المسلم بما يوجه إليه من نقد ، ويستغفر الله مما كان قد وقع به من خطأ.
أسلوب الصحابة
لقد رد عبد الله بن عباس ، وهو من أصغر الصحابة سناً ، على أمير المؤمنين ، الفاروق عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - في كثير من مسائل العلم ، ولم يقل أحد من الناس إن ابن عباس أخطأ ، لأنه رد على عمر ولم يفهم أحد من الناس أن ابن عباس كان ينتقص عمر أو يحط من شأنه ، بل ردت عليه امرأة ، وأبانت عن وجه خطئه ، وقبل .
واستدركت عائشة رضي الله عنها على العشرات من كبار أصحاب رسول الله ، ولم يفهم أحد منهم أنها أساءت ، لأنها بينت خطأ أو وهم من أخطأ أو وهم ، ولم يفهم أحد من الناس أنها كانت تنتقصهم ، أو تحط من شأنهم .
بين الشافعي ومالك
ورد الشافعي على مالك ، في كتاب كامل (( كتاب الوضع على مالك ) )ولم يقل أحد أن الشافعي أساء ، أو انتقص مالكاً ، كيف وهو القائل فيه: إذا ذكر العلماء فمالك النجم ، وكان تلميذاً له ، تفقه عليه ، وروى عنه.
لأن الأمر ليس أمر شخص ، وذات ، وهوى ، وإنما هو أمر دين يستوي فيه قدم الجميع ، والحق أحق أن يتبع.