بين القاضي والشافعي
لقد كان القاضي عبد الجبار من أشد الناس تمسكا بأصول الشافعي ، شديد الدفاع عنها ، ولما وصل إلى مسألة نسخ الكتاب بالسنَّة ، ونسخ السنة بالكتاب - والشافعي يقول: لا ينسخ الكتاب بالسنَّة ، ولا السنَّة بالكتاب ، في مذهب خاص له ، انفرد به عن جمهور الأصوليين ، وعلى تفصيل فيه ، ليس هذا مكانه - عندما وصل القاضي إلى هذه المسألة قال: الشافعي كبير ، والحق أكبر منه ، إلا أن القرآن ينسخ السنَّة ، والسنَّة تنسخ القرآن ، ولم يقل أحد من الناس إنه أساء ، وإنما قالوا ، ولازالوا يقولون ، إن القاضي من أشد الناس تمسكا بأصول الشافعي ، إلا أن القاضي أنزل الشافعي منزلته البشرية ، ورد عليه فيما يعتقد أنه خطأ .
ومن قرأ كتب فقهاء هذه الأمة وجد أمراً عجباً ، من حرية الرأي - ضمن الضوابط والقواعد العلمية - وحرية النقد والاختيار ، ما لم يكن هوى.
بين الأمس واليوم
وكان هذا دأب سلف هذه الأمة ، وخلفها من العلماء ، والدعاة ، إلى أن وصلنا إلى ما نحن فيه الآن من عصبية ، كادت وللأسف تذهب برواء كثير ممن يتكلمون في هذا الدين ، ويدعون إليه.
فوصل بعض الشباب إلى مرحلة ، إذا تقلد فيها رأياً عمى عما سواه ، وأصم أذنه عند سماعه ، وكأنه أوحي إليه أن الله قد جمع الحق في هذا الذي أشرب قلبه بمحبته ، فهو ليس بمستعد لسماع أي نقد ، أو أي نصح ، أو أي اعتراض ، ومن ثم فهو ليس على استعداد لأن يعتقد أن هذا الذي أعتقد رأيه قابل للخطأ .
بعض الشباب قرأ لسيد قطب - رحمه الله ، وأسكنه فسيح جنته - وتعشق كتبه وأفكاره ، وإلي هنا نعتبر هذه فضيلة ، ونقبلها ، إلا أنه وصل الأمر ببعضهم إلي ما ذكرت ، مما وصفت من العصبية المفرطة لكل ما قال ، وهذا لا نقبله .