لقد كنت أتكلم في موضوع علمي مهم ، يتعلق بالعقيدة فبحثته من جميع جوانبه ، وبينت أقوال العلماء فيه ، ثم عرضت لرأي ابن القيم في الموضوع ، وكان مما انفرد به عن عامة المسلمين ، وبينت خطأه فيه ، ووجهت ذلك بالدليل والبرهان ، لكي لا يكون في الأمر لبس ولا شبهة ، وإن كان لا يحتاج إلى دليل ، لأنه مما يكاد يكون معلوما من الدين بالضرورة .
رسالة على المكتب
وفوجئت بعد يومين برسالة على مكتبي من أحد الطلبة . يشكر فيها اهتمامي بالمحاضرات ، وأثرى في الطلاب ، ويثني ، ويؤكد الثناء بالثناء ، ثم قال: بلغني ، أنك تعرضت في المحاضرة الماضية لابن القيم ، وبينت خطأه في الموضوع الفلاني ، وليتك لم تفعل ، لأن أحد الطلبة ، ممن يكن لك المحبة والاحترام ، قد آلمه ما ذكرت عن ابن القيم ، لأنه يحبه ، ونشأ على كتبه ، ومن ثم قال: إنك سقطت من عينه ، إذ أبنت خطأ من يحب ، طويت الرسالة ، ولم يكن ما وجدته فيها مفاجأة ، لأني عهدت من قبل مثل هذا الخلق في بعض من ينتسب إلى الدعوة.
المنهج الوسط في النقد
ثم دخلت قاعة الدرس ، وافتتحت المحاضرة بما يمس هذا الموضوع ، مما يجب أن يعلمه كل داعية مسلم ، ويتنبه له ، فقلت: إننا نحن المسلمين من علماء ودعاة ومفكرين عندما نثني على إنسان ما ، في موضوع ما ، لا نعني أن هذا الإنسان معصوم عن الخطأ ، ومصيب في كل ما أتاه من عمل ، وإنما نريد الثناء عليه ، فيما عرضنا له من موضوع الساعة ، أو على مجمل خلقه وسيرته.
وعندما ننتقد إنساناً ما ، في موضوع ما ، لا نعني أننا نريد انتقاص هذا الإنسان ، ونفي صفة العلم عنه إذا كان عالماً ، أو صفة الدعوة إذا كان داعية ، ولا نريد الحط من منزلته ، وإنما نريد أن نبين أنه أخطأ في المسألة الفلانية ، مع المحافظة على ما له من مكانة في العلم ، وتضحية في الدعوة ، وأثر في الفكر ، إذ النقاش ، والنقد حول فكرة معينة ، لا حول الرجل وفكره ودعوته .
العصمة لمن عصمه الله