ومما يروى عن الإمام أبي حنيفة النعمان - رضي الله عنه - أن كان خارج بغداد ، فلقيه سفيه من السفهاء الذين لا يعرفونه ، ولئن عرفوه ، فلن ينزلوه منزلته ، لأنه كما قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (( لا يعرف الفضل لأهل الفضل إلا أهل الفضل ) )، فلا يقدر منزلة العالم إلا العالم ، ونحن وإن كنا نجد العامة في مجتمعنا الإسلامي يقدرون العلماء ويجلونهم ، فليس هذا لأنهم أدركوا منزلتهم العلمية وعرفوا حقيقة علومهم ، فإنه لا سبيل إلى هذا ، وإنما هو لأنهم عرفوا على الجملة أنهم علماء ، وأنهم بحاجة إليهم ليستمدوا منهم الفتوى ، وأنهم امتداد للنبوة في الأرض بعد أن انقطع الوحي من السماء ، وأن دينهم أمرهم باحترامهم بقوله عليه الصلاة والسلام: (( ليس منا من لم يرحم صغيرنا ، ويوقر كبيرنا ويعطي عالمنا حقه ) )فتأدبُ العامة بآداب الإسلام العامة هو الذي جعلهم يحترمون علماءهم ، ولو كان الأمر منوطاً بعلم العلماء فقط ، لما كان الأمر هكذا .
لقد لقي السفيه أبا حنيفة رضي الله عنه خارج بغداد وهو لا يعرفه ، فتعرض له ، ثم شتمه ، وتمادى في شتمه إلى أن وصلا إلى سور بغداد فالتفت أبو حنيفة إلى ذلك السفيه وقال له: أعندك شتائم أخرى تريد أن تفرغها من إهابتك ، فإن كانت فقلها . . ! فاستغرب السفيه هذا الموقف ، مع عدم رد أبي حنيفة عليه بكلمة واحدة . . ! وقال له: لم تأمرني بهذا . . ؟!
فقال له أبو حنيفة: لما كنا خارج بغداد لم يكن معنا أحد ، وأنا سامحتك فيما قلت وكأنك لم تقله وكأني لم أسمعه ، ولكني أخشى إن دخلت بغداد ، وسمعك الناس تشتمني... أخشى أن يضربوك... فأنا أبو حنيفة النعمان ...
الدعوة والعصبية