قال أبو حاتم: فلما فرغ دعوتُه ، قلت: رأيتَ أبا خليفة ؟ قال: لا ، قلتُ: كيف تروى عنه ولم تره ؟فقال: إن المناقشة معنا من قلة المروءة: أنا أحفظ هذا الإسناد ، فكلما سمعت حديثاً ضممته إلى هذا الإسناد .
وروى ابن الجوزي بإسناده إلى أبي جعفر بن محمد الطيالسي قال: صلَّى أحمد بن حنبل ويحيى بن معين في مسجد الرصافة ، فقام بين أيديهم قاصٌ ، فقال: حدثنا أحمد بن حنبل ، ويحيى بن معين ، قالا: حدثنا عبد الرزاق ، عن معمر ، عن قتادة عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: من قال لا إله إلا الله خلق الله من كل كلمة طيراً ، منقاره من ذهب ، وريشه من مرجان !! وأخذ في قصةٍ نحواً من عشرين ورقة ، فجعل أحمد بن حنبل ينظر إلى يحيى بن معين وجعل يحيى بن معين ينظر إلى أحمد ، فقال له حدثته بهذا ؟! فيقول: والله ما سمعت هذا إلاّ الساعة ، فلما فرغ من قصصه وأخذ العطيات ، ثم قعد ينتظر بقيتها ، قال له يحيى بن معين بيده: تعالَ ، فجاء ، متوهماً لنوال ، فقال له يحي: من حدثك بهذا الحديث ؟ فقال: أحمد بن حنبل ويحيى بن معين ، فقال: أنا يحيى بن معين ، وهذا أحمد بن حنبل ، ما سمعنا بهذا قط في حديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فقال: لم أزل أسمع أن يحيى بن معين أحمق ما تحققتُ هذا إلا الساعة ! كأن ليس فيها يحيى بن معين واحمدُ بن حنبل سواكما ن قد كتبت عن سبعة عشر أحمد بن حنبل ويحيى بن معين ؟؟ فوضع أحمد كمه على وجهه ، وقال: دعه يقم ، فقام كالمستهزئ بهما.
وذلك أن النقاش معه ومع أمثاله بهذا الجهل الفاضح ، والحمق الواضح ، والفجور الظاهر مسقط لمروءة أحمد ويحيى ، فإنهما لا يتوقعان من مناقشته إلا تجهيلهما والإزراء بهما ، فصانا نفسيهما بالإعراض عنه والابتعاد منه.