وهذا يوجب علينا أن نتكلم على العقل والدين والغيب ، وقد عرضنا لذلك بالتفصيل في كتابنا"العقل والغيب" (2) ، فليراجع.
العلماء والسفهاء
في كثير من الأحيان يجد الإنسان نفسه مضطراً للصمت ، إما أمام مخاصم فاجر ، أو مجادل معاند أو متنطع جاهل.
وهو لا يصمت ، على أن الصمت أبلغ في الجواب ، لأن هذا إنما يكون عند عاقل مسه طائف من الشيطان فجهل ، أو عالم سها فزل ، فإن العاقل المنصف لا يسعه في مثل هذا المقام إلاَّ الصمت ، ويكون صمته أبلغ في التعبير من نطقه ، وهذا هو المأمور به في الشرع ، فقد قال صلى الله عليه وآله وسلم: (( أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم ) ).
إلا أنه عندما يكون المخاصم فاجراً ، أو مجادلاً معانداً ، أو سفيهاً جاهلاً ، فإن العاقل لا يمكنه إلا السكوت أيضاً ، ولكن ليس سكوتَ إقالةِ الكريم عثرته ، وإنما هو سكوت الدهشة ، والإبقاء على المروءة.
فالنقاش والكلام يفيدان عندما تكون هناك قواعد مشتركة ، ومبادئ ثابتة ، يرجع المتناقشان إليها ، ويعولان عليها ، وتكون بينهما الحكم والفيصل ، وأما إذا عدمت مثل هذه القواعد ، بأن كان أحد الرجلين أو كلاهما ، لا يعرفان عنها شيئا ، فإن النقاش في هذه الحالة ينقلب إلى سفسطة ثم إلى عناد ، تكون الغلبة فيه لأكثرهما فجوراً ، ولن يلتقيا في حال من الأحوال ، وفي كثير من الحالات يكون الصمت هو الجواب .
ولقد قال إمامنا الشافعي رحمه الله في مثل هذه الحالة: ما جادلت عالماً إلا وغلبته ، وما جادلت جاهلاً إلا وغلبني ، وهذه حقيقة يقرها الجهلة ويعرفها العلماء.
فقد حكي أبو حاتم البستي أنه دخل مسجداً ، فقام بعد الصلاة شابٌ ، فقال: حدثنا أبو خليفة ، حدثنا أبو الوليد ، عن شعبة ، عن قتادة ، عن أنس ، وذكر حديثاً .