إننا لا نريد أن نمنع الإنسان من الانتصار لرأيه ، فكل امرئ يرغب في الانتصار لرأيه إن كان حقاً - على الأقل فيما يعتقد - ، ولكننا نمنع الإنسان من الانتصار لرأيه بالكذب ، والافتراء ، والتدليس ، كما أننا نمنعه في نفس الوقت من الإزراء بمناصب علماء الأمة وسلفها ، لأنهم خالفوا رأيه ، فكل من تكلم في دين الله منهم إنما تكلم ليبين الحق فيما يعتقد ، ولكل مجتهد نصيب ، وهذا على أحسن أحواله ، وأسوأ أحوالهم .
وإلاَّ فمنطق العلم السليم يأبى أن يضع رأى جاهل ، لم يتمكن بعد من تمييز الحق عن الباطل ، مع رأي أحمد بن حنبل الذي كان يحفظ مليوناً من أحاديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم
العقيدة وخبر الواحد
إن الذي أريد أن أتكلم عنه الآن هو خبر الواحد ، وحُجيُّته في العمل والاعتقاد ، على ما جرى عليه سلف الأمة وخلفها .
وإن الذي دفعني لهذا مع أنه من المسلمات ، هو خوض الجهلة ، وأنصاف المتعلمين فيه ، بما يؤدي تشويه الحقيقة العلمية الناصعة التي قالها العلماء فيه ، ومن ثم يؤدي إلى الطعن في أئمة المسلمين وهذه هي النتيجة الحتمية للفهم الخاطئ ، الناتج عن الجهل بمرامي الكلام ومدلولاته واصطلاحات أهل العلم .
فالواجب على كل من أراد الخوض في أي علم من العلوم أن يعرف قبل الخوض فيه اصطلاحاته ، وإلاَّ بأن فهم الإصلاح حسب مدلوله اللغوي ، لا على المعنى الاصطلاحي الذي وضعه له صاحبه ، فإنه سيأتي بالعجائب .
لقد صنف الإمام النووي كتابه:"المنهاج"في الفقه الشافعي ، وجعل له في مقدمته اصطلاحات ميزت بين أقوال الإمام الشافعي في المسألة وأقوال أصحابه المجتهدين في مذهبه ، فرمز لأقوال الإمام الشافعي بـ"الأظهر"فإن كان للشافعي قولان في مسألة ، وكان أحد القولين راجحاً على الآخر ، فإنه يعبِّر عنه بالأظهر ، وهذا يشير إلى ظهور مقابله على الجملة.